شرعية الدولة اليمنية..
طموحات الانتقالي جنوبًا وتمركزات الحوثي شمالًا: الممكن والمآلات
(تقدير موقف)
* وحدة الدراسات السياسية والاستراتيجية بالمركز .
ملخص تنفيذي
تشهد الدولة اليمنية حالة تفكك مركّب منذ اندلعت الحرب عام 2014م، إذ لا تقوم فقط على صراع انقلابي تقليدي بين سلطة شرعية وقوة متمردة، بل على مشروعين نشطين الآن يقوضان الدولة الوطنية، بشكل مباشر أو عبر مسارات موازية غايتها الاستقلال.
الأول؛ شمالًا تقوده جماعة الحوثي عبر مشروع سلطوي سلالي عابر لمفهوم الجمهورية والدولة الوطنية.
والثاني؛ جنوبًا يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي عبر مشروع سياسي–هوياتي يسعى لإعادة إنتاج دولة الجنوب خارج الإطار الوطني.
بين المشروعين، تتآكل فكرة الدولة اليمنية الجامعة، وتتحول (الشرعية) إلى كيان هش يتقاسمها الفاعلون بدل أن يحتكموا إليها.
أولًا: إشكالية الدولة اليمنية بعد 2014؟
لم يعد السؤال اليوم في اليمن يدور حول من يحكم؟ بل حول هل ما يزال هناك كيان يُحكم بالأساس؟
فمنذ سقوط صنعاء بيد الحوثيين، دخلت الدولة اليمنية مرحلة التشظي الوظيفي، نتج عن ذلك:
- انهيار احتكار القوة والمرجعية
- تعدد مراكز القرار
- تفكك المجال الاقتصادي والإداري وتعرضه للاستلاب
- تراجع مفهوم السيادة لصالح الوصاية الإقليمية.
هذه البيئة مثّلت التربة الخصبة لصعود مشاريع ما دون الدولة وما فوقها.
ثانيًا: مشروع الحوثي شمالًا – إعادة هندسة الدولة.
1. طبيعة المشروع:
- مشروع الحوثيين ليس مشروع سلطة أمر واقع مؤقتة، بل مشروع أيديولوجي– سياسي يعيد تعريف الدولة على أسس مغايرة للدولة الوطنية المؤسسية:
- يقوم على فكرة الحق الإلهي والأفضلية المغايرة للإنسانية والواقعية.
- التفويض السلالي بالحكم وحصره على فئة دينية.
- نزع الطابع الجمهوري للدولة
- إحلال “الجماعة” محل الدولة
- والطائفية محل المواطنة.
2. أدوات السيطرة لدى هذا المشروع :
- تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة بنائها كأذرع أمنية
- احتكار الاقتصاد (الجمارك، الضرائب، الموانئ البرية)
- تعليب المجتمع عبر التعليم والخطاب الديني
- إدارة الصراع لا حسمه، للحفاظ على حالة التعبئة.
3. الهدف الاستراتيجي للمشروع:
تحويل شمال اليمن إلى:
- كيان مغلق سياسيًا
- قابل للتفاوض خارجيًا كسلطة أمر واقع وفقاً للاستراتيجية الايرانية.
- مرتبط إقليميًا بمحور طهران بشكل التابع والمنفذ.
ثالثًا: مشروع الانتقالي جنوبًا – الدولة المؤجلة.
1. مرتكزات المشروع:
- يرتكز المجلس الانتقالي الجنوبي على
مظلومية تاريخية (ما بعد حرب 1994م)، ويعتبر تلك الحرب سبباً للتراجع عن الوحدة الاندماجية التي أعلنت بين الشطرين في ٢٢ مايو 1990م.
- تغذية شعور واسع بالإقصاء والتهميش سابقاً واحتلال الارض الجنوبية حتى الآن، مع أن اليمن كلها تعرضت للانهيار بعد الحرب الأخيرة، وصار المجلس الانتقالي شريكاً واسعاً في السلطة الجديدة الحاضرة في جنوب الوطن!.
- فراغ وضعف الدولة الشرعية في الجنوب
مع ذلك، فإن هذا المشروع يعاني من:
- غموض في النموذج السياسي البديل
- اختزال الجنوب في تمثيل سياسي واحد
- عسكرة القضية الجنوبية لمبررات غير موضوعية
- التبعية الخارجية
2. حدود الطموح لدى الانتقالي:
رغم الخطاب الانفصالي، فإن الانتقالي
- لم يبلور مؤسسات دولة مكتملة
- يعتمد أمنيًا واقتصاديًا على الخارج (دولة الإمارات الداعم الكامل)
- يفتقر لإجماع جنوبي حقيقي (حضرموت، المهرة، شبوة).
3. الإشكال البنيوي
الانتقالي ينازع الشرعية باسم “الجنوب”، لكنه مع ذلك:
- يضعف المعسكر المناهض للحوثي، وإن كان يلوم هذا المعسكر على عدم التحرك عسكرياً.
- يكرّس منطق تقاسم الدولة لا استعادتها.
- يحوّل الجنوب إلى ساحة لصراع النفوذ الإقليمي.
رابعًا: الممكن السياسي – هل من أفق للدولة؟
رغم سوداوية المشهد، يظل الممكن قائمًا نظريًا ضمن ثلاثة شروط كبرى:
- إعادة تعريف الشرعية كدولة مؤسسات لا كتحالف قوى، بفصلها عن المحاصصة والوصاية والتدخلات الخارجية.
- تفكيك المشاريع الموازية أو تنظيم حلها مستقبلاً عبر تسوية سياسية لا تعترف بالسلاح كشرعية فرض أمر.
- بناء عقد وطني جديد، يعترف بالتعدد وينظم مساراته وطموحاته، ويكفل حل هذه القضايا وفقا للرغبة الشعبية عبر طرق شفافة ومسارات واضحة، لا انتهازيات سياسية.
- معالجة القضية الجنوبية في إطار دولة اتحادية حقيقية، ومنح هذه المناطق حق الحكم الذاتي.
لكن هذه الشروط تصطدم بواقع إقليمي ودولي يفضل إدارة الأزمة لا حلها.
- منع أو الحد من الاستقطاب الخارجي للتأثير على خيارات الداخل اليمني.
خامسًا: المآلات المحتملة.
مع ماسبق؛ يمكن طرح سيناريوهات متوقعة لمآلات هذه الاشتباكات السياسية:
1. سيناريو التقسيم الواقعي:
- شمال حوثي مستقر بالعنف
- جنوب متنازع عليه بين الانتقالي وقوى محلية
- دولة يمنية اسمية بلا سيادة ولا حضور فاعل على الأرض.
2. سيناريو الفيدرالية القسرية.
- يمكن أن تحدث تسوية سياسية تفرض توزيع السلطة وتقاسمها.
- بقاء السلاح خارج الدولة (مهمة صعبة)
- دولة ضعيفة طويلة الأمد
3. سيناريو الانفجار:
- صدام جنوبي–جنوبي
- عودة الحرب شمالًا
- تدخلات إقليمية أوسع تفضي لحروب متداخلة.
4. سيناريو استعادة الدولة :
- تفكك مشروع الحوثي وانهياره شمالاً
- تراجع الدعم الإقليمي للمليشيات
- إعادة بناء الدولة من المركز.
- توزيع الحكم الذاتي ضمن الدولة الكبيرة.
خاتمة:
الدولة اليمنية اليوم ليست ضحية الحوثي وحده، ولا الانتقالي وحده، بل ضحية تحول السياسة إلى صراع مشاريع جزئية على حساب المشروع الوطني، تغذيها معادلة الصراع الإقليمي الخارجي، وهو المؤثر الأكبر في مجريات الأزمة في اليمن، بفعل الاستقطابات والتنافس.
وما لم يُعاد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة مركزية القوة، فإن اليمن يتجه لا إلى دولتين فقط، بل إلى كيانات هشة متعددة، تتعايش على أنقاض وطن واحد. والخاسر الأكبر من كل هذه الصراعات هو الشعب اليمني المغلوب على أمره، الذي تطحنه حروب الداخل بصراعات الخارج .