ماذا بعد سقوط الانتقالي؟
أولويات الدولة اليمنية الآن..
*د. فارس البيل
رئيس المركز
● ملخص تنفيذي
تناقش هذه الورقة تداعيات سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي سياسيًا وعسكريًا، وانتقال السيطرة الأمنية والعسكرية إلى مؤسسات الدولة الشرعية. وتنطلق من سؤال مركزي: ما الذي ينبغي على الدولة اليمنية فعله فورًا لتفادي الفراغ، ومنع إعادة إنتاج الصراع، وتأسيس مسار استقرار وطني مستدام؟
تجادل الورقة بأن سقوط الانتقالي لا يمثل نصرًا بحد ذاته، بل لحظة اختبار تاريخية للدولة اليمنية: إما استعادة السياسة بمعناها الوطني الجامع، أو الانزلاق إلى فوضى جديدة تُدار بأدوات مختلفة.
وتحدد الورقة ست أولويات عاجلة للدولة اليمنية:
الأمن واحتكار السلاح، إعادة بناء الشرعية، حضور الدولة القوية، المعالجة السياسية للقضية الجنوبية، الإصلاح الاقتصادي والخدمي، وإعادة ترتيب العلاقة مع التحالف والإقليم.
● سقوط الانتقالي – الدلالة والسياق:
لم يكن المجلس الانتقالي ظاهرة معزولة، بل نتاجًا لتراكمات ضعف الدولة، واختلال الشراكة، وتدويل الصراع اليمني، ودخول اللاعب الخارجي، الذي أدار المشكلات الداخلية لصالحه، وبالتالي؛ فإن سقوطه لا يعني زوال أسبابه الاجتماعية والسياسية تلقائيًا.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوط الانتقالي هو الخلط بين انهيار الأداة وبقاء الفكرة؛ فالنزعة الانفصالية، والتذمر الجنوبي، لا تزال قائمة، وقد تعاود الظهور بأشكال أكثر تطرفًا إذا لم تُدار المرحلة بوعي سياسي شامل.
كما أن الحرص على عدم ترك فجوات في المجتمع اليمني والمشهد السياسي، يمكن أن يدرأ أي مشاريع موازية قد تنشأ باسم قضية أو مظلمة لإعادة تشكيل الانقسام أو خلق بيئة للاستقطاب من جديد .
(١) الأولوية الأولى – تثبيت الأمن ومنع الفراغ:
الأمن هو الشرط الأول لأي انتقال ناجح. وتتمثل هذه الأولوية في:
• فرض سيطرة الدولة الكاملة على المدن والمؤسسات كافة والموانئ والمطارات.
• تفكيك التشكيلات المسلحة متعددة الولاء، أو دمجها بشكل نهائي وفق معايير مهنية صارمة.
• إعادة الاعتبار للمؤسستين العسكرية والأمنية على أساس وطني لا جهوي.
• منع عمليات الانتقام، والتصفية السياسية أو المناطقية.
• تثبيت الأمن بقوة الأجهزة والقانون في كل المناطق، وعدم التساهل مع أي اختلالات أمنية أو العبث بحضور الدولة، وعدم السماح لأي مظاهر أو أفعال أو جرائم تتنافى مع القوانين وسلامة المجتمع واستقراره.
إن أي تساهل أمني في هذه المرحلة قد يؤدي إلى بروز ميليشيات بديلة، أو عودة الفوضى تحت مسميات جديدة، أو خلق بؤر إقلاق للدولة والمجتمع.
(٢) الأولوية الثانية – إعادة بناء الشرعية السياسية:
تعاني الشرعية اليمنية من أزمة ثقة عميقة، تفاقمت خلال سنوات الحرب. وبعد سقوط الانتقالي تصبح الشرعية مطالبة بما يلي:
• الانتقال من شرعية الأمر الواقع إلى شرعية الأداء.
• إعادة تفعيل مؤسسات الدولة (الحكومة، البرلمان، القضاء، وغيرها)، تفعيلاً كاملاً.
• تصحيح الاختلالات داخل مجلس القيادة الرئاسي، وتحديد صلاحيات واضحة، والانتقال للعمل لصالح الدولة اليمنية بكل طاقات المجلس دون تقاعس أو مصالح او انتفاعات.
• تقديم نموذج حكم مختلف عن مرحلة ما قبل الانتقالي.
فالدولة لا تُستعاد بالشعارات، بل بالحوكمة الرشيدة والقدرة على الإنجاز الجيد والسريع.
● محاربة الفساد بصرامة، وتنقية صفوف الشرعية من التعيينات الرديئة والمخالفة، ومحاسبة المقصرين بشكل جاد وحازم، وإعادة الهيبة والمكانة للوظيغة العامة بعيداً عن التقاسم والمحاصصة،د.
إذ ينتظر الشارع إجراء إصلاحات حقيقية في سلك الدولة والمناصب، وعندما يشاهد الشارع إقالات للمقصرين والمفسدين، وتعيينات للأكفاء، وإيقاف لنزيف الوظيفة والتعيينات والاعتمادات، سيتغير المزاج الشعبي إزاء الدولة والقيادة، ويلتحم أكثر مع قضاياها، ويقف إلى جانبها بكل وعيه وضميره وانتمائه. أو إذا لم يحدث ذلك، قد يصاب بخيبة أمل كبرى بعد حالة من الانتشاء الشعبي لم تحدث منذ عقود من الزمن.
(٣) الأولوية الثالثة – حضور الدولة القوية:
شهدت الدولة اليمنية طوال الفترات الماضية حالة من التشظي والضعف والهشاشة، أدت إلى كل هذه المشكلات، وإلى حالة من الفراغ الوطني، وأدى هذا الضعف إلى تأخر الحلول والمعالجات لأي ملف من ملفات الدولة داخلياً وخارجياً، وإلى خلق هياكل ونفوذ وانتماءات بديلة للدولة.
وبعد أن استجمعت قيادة الدولة الآن قرارها وصلاحياتها ونفوذها؛ على الدولة اليمنية الآن :
● أن تحضر برمزيتها القوية في كل مؤسسات وميادين الدولة واحتكار النفوذ والقرار داخل المجتمع اليمني.
● تفعيل سطوة القانون اليمني والدستور للحكم على كل مظاهر الدولة والمجتمع، وإعادة هيبة فعل الدولة وقرارها في كل شئون الحياة اليمنية داخلياً وخارجياً.
● منع أي مظاهر منافسة للدولة أو بديلة أو حتى مساعدة مالم تكن في إطار القانون، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية.
● ضبط القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في مسارات الحياة والأداء المؤسسي، والإشراف الكامل على كل إجراءات الحياة اليومية، ومنع أي نفوذ أو نشاط خارج إطار قرار الدولة ونفوذها وقوانينها.
● منع أي تواصلات مع أطراف خارجية، بصيغ بديلة عن الدولة، أو ممارسة أنشطة موازية للدولة بدعم خارجي، ومنع أي أنشطة داخلية لا تتشكل بقرار رسمي أو تصريح قانوني، وتجريم كل ذلك وفقاً للقوانين واللوائح.
● عدم السماح أو التساهل مع أي شعارات أو أفعال أو لافتات أو ممارسات تسيء أو تخالف رمزية الدولة وصيغها وقوانينها.
● إصلاح أوضاع الناس ومعالجة المشكلات الكبرى وأولويات الحاجة معالجات كاملة، بحزم ودون تلكؤ أو أنصاف حلول. ووضع هيكلية تنفيذية صارمة لهذه المعالجات.
● منع تنازع الاختصاصات أو تشتت القرار أو تعدد الجهات، وضبط الأداء الحكومي وفقاً لاجراءات صارمة.
● ضبط المخالفات المالية والإدارية وقضايا الفساد، وسرعة إحالتها للجهات المعنية ومعاقبة مرتكبيها بسرعة وحزم. وهذه الخطوة إن نفذت بصرامة ستنعكس بشكل كبير على الأداء الحكومي والالتفاف الشعبي.
(٤): الأولوية الرابعة - المعالجة السياسية للقضية الجنوبية:
تمثل القضية الجنوبية جوهر الاستقرار أو الانفجار القادم. ولا يمكن إدارتها أمنيًا فقط.
وقد أحسنت القيادة اليمنية ومعها المملكة العربية السعودية بإعلان الحوار الجنوبي- الجنوبي، الذي سينعقد بتمثيل شامل، دون إقصاء أو احتكار .
وينبغي أن تشمل المعالجة الجادة بما فيها هذا الحوار :
• الاعتراف بالمظالم التاريخية والسياسية والاقتصادية للجنوب.
• فصل القضية الجنوبية عن أدوات العسكرة والوصاية الخارجية.
• الالتزام بمخرجات الحوار الوطني ومرجعيات الدولة الوطنية المتعلقة بمعالجات القضية الجنوبية، وجعل القرار الأخير شعبياً لأي صيغة توافقية جديدة.
• جعل الحوار الجنوبي مفتوحاً في خياراته لكن ضمن الإطار الوطني وسيادة الدولة.
إن تجاهل الجنوب بعد سقوط الانتقالي سيؤدي حتمًا إلى إنتاج انتقالي آخر، ربما أكثر عنفًا. وتبدو خطوة الحوار الجنوبي فاعلة في حل هذه المشكلة، ومنع العبث الخارجي بهذه القضية.
(٥) الأولوية الرابعة – الاقتصاد والخدمات كشرعية بديلة:
في لحظة ما بعد الصراع، تصبح الخدمات والاقتصاد أهم من الخطاب السياسي. وتشمل هذه الأولوية:
• وقف الانهيار النقدي وضبط السياسة المالية.
• دفع المرتبات بانتظام، وتوحيدها، خصوصاً في المناطق المحررة.
• إعادة تشغيل الموانئ والمطارات كمؤسسات سيادية.
• إعادة تشغيل موارد الدولة السيادية عبر تصدير النفط والغاز بشكل كامل، وضبط الإيرادات بصرامة، وخلق فرص لموارد جديدة للدولة.
• مكافحة الفساد بوصفه تهديدًا للأمن الوطني.
إن المواطن لا يقيس الدولة بخطاباتها، بل بقدرتها على توفير الخدمات كالكهرباء، والماء، والمرتبات، والأمان،
والصحة والتعليم وغيرها.
(٦) الأولوية الخامسة – إعادة ضبط العلاقة مع التحالف والإقليم
سقوط الانتقالي يفرض على الدولة اليمنية إعادة تعريف علاقتها مع الفاعلين الإقليميين:
• تعميق استراتيجية العلاقة مع المملكة العربية السعودية، ونقلها لآفاق أوسع في إطار شراكة الواقع والمصير
. الانتقال إلى منطق الشراكة والأمن المستدام
• رفض أي دعم خارج إطار الدولة ومؤسساتها.
• تحييد الجنوب عن صراعات النفوذ الإقليمي.
• توحيد الخطاب الدبلوماسي والسيادي.
فالدولة التي لا تحتكر قرارها السيادي، لا تستطيع حماية وحدتها ولا مواطنيها.
خـــــاتمــــة:
بين لحظة الانتصار وخطر الإخفاق
إن سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي، يعني سقوط الانتهازية السياسية، والخطاب الأحادي العنصري، وللعبث بقضايا المجتمع اليمتي، والوصاية الخارجية.
لكن ذلك ليس نهاية الصراع، بل بداية امتحان الدولة اليمنية. فإما أن تُحوّل هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء مشروع وطني جامع، أو تُهدرها في صراعات داخلية تعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة.
إن أولويات الدولة اليمنية اليوم ليست ترفًا سياسيًا، بل شروط بقاء: دولة واحدة، سلاح واحد، عقد اجتماعي جديد، واقتصاد يخدم الناس لا النخب. وما بعد الانتقالي يجب أن يكون ما بعد الميليشيا، لا ما قبل الدولة.