9 إبريل 2026 تحميل ملف pdf
مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية
مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية

الهُوية الوطنية اليمنية

 مقاربة سوسيولوجية في البنية والمكونات

 

*عيبان محمد السامعي – باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي

 

تُمثّل الهُوية الوطنية حاجة اجتماعية وسياسية وثقافية وسيكولوجية لأيّ مجتمع إنساني؛ إذ يتعذَّر تصوُّر وجود مجتمع بدون هُوية، فهي تشكّل منظومة الخصائص والسمات والرموز والقيم التي تُميّز المجتمع عن غيره من المجتمعات الأخرى، والتي تمنح الأفراد إحساسًا عميقًا بالانتماء إلى كيان أكبر، وشعورًا راسخًا بوجود رابطة عامة تربط فيما بينهم بمصير مشترك. إنّها القوة الرمزية التي تدفع حركة المجتمع إلى الأمام، والسيّاج المنيع الذي يحفظ وجوده، ويحمي كينونته في مواجهة التحديات المختلفة، ويحقق له شروط التماسك الداخلي والاستقرار البنيوي والاستمرارية الزمنية.

لقد اضطلعت الهُوية الوطنية اليمنية بدور بالغ الأهمية في تشكيل الشعور العام بالانتماء إلى الأمَّة اليمنية، والاعتزاز بتاريخها المُوغل في القِدم، وبشخصيتها الحضارية العريقة، وبأنساقها الثقافية وعاداتها وتقاليدها وموروثها. وهذه المادة البحثية تحاول تسليط الضوء على بنية الهُوية الوطنية اليمنية، التي تتكون من عدة مكونات: جغرافية، وتاريخية، وثقافية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية، ويمكن تجلية ذلك على النحو الآتي:

1- المكونات الجغرافية:

يمثّل الموقع الجغرافي لليمن عنصرًا بنيويًا مهمًا في تشكيل الهُوية الوطنية، فاسم اليمن ارتبط تاريخيًا منذ العصر القديم بموقعها في جنوب الجزيرة العربية.[1] فلفظة "اليمن" تعني في اللغات العربية القديمة "الجنوب"، مقابل "الشام" التي تعني الشمال. وفي النقوش اليمانية القديمة يرد اللفظان بهذا المعنى، فيقال مثلًا: أشعب شامت ويمنت؛ أيّ قبائل المناطق الشمالية والجنوبية، كما ورد لفظان هما: "ذَيَمَنت وذَشَامت".[2] وقد أطلق الجغرافيون القدامى على اليمن مسمى "العربية السعيدة" أو (Arabia Felix) نظراً لما تمتعت به من ازدهار اقتصادي وتجاري، نتيجة تحكمها بطرق التجارة القديمة، خاصةً تجارة اللُّبان. [3]

في الوقت الحاضر، تقتصر التسمية على الجمهورية اليمنية، التي تتمتع بموقع استراتيجي مهم، إذ تشرف على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ما مكّنها من التحكّم في مدخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وجعلها نقطة وصل بين الشرق والغرب. وقد أسهم هذا الموقع في زيادة أهميتها الجيوسياسية، وجعلها محط تنافس القوى الاستعمارية.

كما تتميز اليمن بامتداد ساحلي واسع، إذ تفوق حدودها البحرية حدودها البرية، الأمر الذي أسهم في تشكيل شخصية خاصة (هُوية) لها تختلف عن شخصية الدولة القاريّة الحبيسة، خاصةً في المناطق الساحلية التي تتسم بطابع ثقافي منفتح، نتيجة التفاعل مع جماعات بشرية متنوعة. وقد أدى ذلك إلى نشوء مدن ساحلية ذات وظائف تجارية، مثل: موانئ البحر الأحمر والبحر العربي.[4]

من ناحيةٍ أخرى، تتسم اليمن بتنوع مناخي ناتج عن تباين تضاريسها، التي تنقسم إلى سهول ساحلية، وهضبة شرقية صحراوية، ومرتفعات جبلية. وتعد المرتفعات العمود الفقري للبلاد، حيث يقطنها معظم السكان، نظرًا لاعتدال مناخها وملاءمتها للزراعة والاستقرار، مما جعلها أكثر مناطق الجزيرة العربية خصوبةً واستقرارًا بشريًا.[5]

2- المكونات التاريخية:

تتكوّن هُوية المجتمع عبر عملية مستمرة من تمثُُّل تاريخه، واستحضار ماضيه الجمعي، إذ تسهم الروايات والأساطير والأعمال الفنية والثقافية في بناء الوعي بالذات الجماعية وصياغة الهُوية.[6] وفي هذا السياق، يعد التاريخ اليمني أحد أبرز العناصر البنائية للهُوية الوطنية اليمنية، لما يوفره من شعور عام بالإرث الثقافي المشترك، حتى لو لم ينشأ عنه وحدة في الأرض والسياسة في بعض المراحل. [7]

تشير الدراسات التاريخيّة والأثرية إلى قِدم الاستيطان البشري في اليمن، فقد عُثر على بقايا عظميّة تعود إلى إنسان العصور الحجريّة (Homosapien)، مع خصوصية يمنية في تقنية صناعة الأدوات تعود إلى العصر الحجري الحديث.[8] ومع تطور الزراعة، نشأت تجمعات بشرية مستقرة تحولت تدريجيًا إلى كيانات سياسية أكثر تنظيمًا، مما مهد لظهور الدولة اليمنية القديمة منذ القرن العاشر قبل الميلاد.

شهدت اليمن قيام عدد من الدول القديمة، أبرزها: سبأ، وحضرموت، ومَعين، وقِتبان، وأوسان، ثم الدولة الحِميرية التي مثلت آخر هذه الكيانات قبل الإسلام. وبالرغم من تعدد هذه الدول، فقد ظلّت سبأ عمود التاريخ اليمني القديم، من ناحية التأثير السياسي والحضاري. وقد ارتبطت بها رموز بارزة، مثل: سد مأرب الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، مما عزز حضورها في التاريخ الإسلامي. [9]

وإجمالًا، شكّلت تلك الدول حضارةً عريقة، امتدّ نطاق نفوذها حتى بلغ شمال الجزيرة العربية ومنطقة حوض البحر المتوسط؛ بفعل سيطرتها على الطريق التجاري الذي كان يُعرف بـ"طريق اللُّبان".

3- المكونات السياسية:

تُعدُّ المكونات السياسية من الركائز الأساسية في بناء الهُوية الوطنية، إذ تتجلى بصورة رئيسة في مفهومي الانتماء والولاء الوطنيين، إلى جانب منظومة من الرموز الوطنية. ينتمي الفرد في المجتمع اليمني إلى دوائر انتمائية متعددة ومتداخلة، تبدأ بالأسرة، ثم الجماعات الاجتماعية المختلفة (القبلية، أو الدينية، أو الإثنية، أو المناطقية، أو المهنية، أو الطبقية، أو السياسية، أو غيرها)، وصولاً إلى دائرة الوطن، وقد يمتد انتماؤه إلى دوائر أوسع مثل: الأمة العربية أو الإسلامية، أو الإنسانية بصفة عامة.

يقع الانتماء الوطني في مركز هذه الدوائر، بوصفه الإطار الجامع والمنظِّم لبقية الانتماءات، وبتعبير "أندرسن" (Anderson) يمثّل الانتماء الوطني "القيمة التي تحظى بأكبر قدرٍ من الشرعية الشاملة في حياة عصرنا السياسية." [10] وتنبع شرعيته من شرعية الدولة الوطنية، بوصفها الوحدة السياسية في النظام الدولي الحديث. فالانتماء الوطني هو انتماء إلى الدولة الوطنية أولًا وأخيرًا. الدولة التي تمنح الفرد جنسيتها، فيكتسب – عندها – صفة المواطنة، ويصير مواطنًا متمتعًا بالحقوق والواجبات وفق مقتضيات الدستور والقوانين المعمول بها وطنيًا.

غير أن الانتماء الوطني بوصفه معطًى موضوعيًا لا يكتمل إلا بتحقّق الولاء الوطني، الذي يُترجَم في الممارسة العملية عبر الالتزام بخدمة الوطن، والدفاع عنه، والمشاركة في بنائه. وقد تتعرض هذه العلاقة لاختلال حين تتقدّم الولاءات الفرعية (القبلية، أو الطائفية، أو المناطقية، أو الحزبية، أو العائلية، ... إلخ) أو الولاءات العابرة للحدود على حساب الولاء الوطني، مما يفضي إلى أزمة في الهُوية الوطنية.

أما الرموز الوطنية، فتشكّل أدوات رمزية تغذّي الانتماء إلى المجتمع والوطن، وتسهم بدور كبير في اندماج الأفراد في الحياة الاجتماعية للمجتمع الحديث، بخاصة في المجتمعات غير المتجانسة. [11] ويأتي الدستور في مقدمة هذه الرموز، باعتباره العقد الاجتماعي الذي يحدد طبيعة الدولة وهُويتها السياسية والثقافية، وينظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين. وقد نصّ الدستور اليمني النافذ على أن اليمن دولة عربية إسلامية ذات سيادة، تقوم على النظام الجمهوري والتعددية السياسية. في حين أضافت مسودة الدستور الاتحادي – إلى العناصر المذكورة سلفاً – مبادئ الدولة المدنية الاتحادية، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، مع الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي.

ويمثّل العَلَم الوطني رمزًا للتاريخ النضالي للشعب، ويتكون من ثلاثة ألوان، هي: اللون الأحمر الذي يرمز إلى التضحيات في مجرى النضال ضد الإمامة في الشمال، والاستعمار في الجنوب، والأبيض الذي يعبّر عن التطلع إلى السلام والوحدة الوطنية، واللون الأسود الذي يرمز إلى فترة حكم الإمامة والاستعمار وأعوانه. كما يجسد الشعار الجمهوري رمزية الدولة من خلال النسر اليماني وسد مأرب وشجرة البُن، بما يحمله ذلك من دلالات القوة والهُوية التاريخية والثقافية.

ويعد النشيد الوطني تعبيرًا رمزيًا عن الذاكرة الوطنية، إذ تطوّر عبر مراحل تاريخية مختلفة حتى استقر بصيغته الحالية بعد تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990. أما الجنسية، فهي الإطار القانوني الذي يحدد الانتماء الرسمي للدولة، من خلال قواعد واضحة للاكتساب بالميلاد أو التجنّس.

وتكتسب الأعياد والمناسبات الوطنية أهميةً خاصة في ترسيخ الهُوية، مثل: ذكرى ثورتي 26 سبتمبر و 14 أكتوبر، وعيد الاستقلال في 30 نوفمبر، وعيد الوحدة في 22 مايو، وفي السنوات الأخيرة وعبر مبادرات مجتمعية وثقافية، جرى استحداث يوم البُن اليمني الذي يصادف الثالث من مارس، ويوم الأغنية اليمنية الذي يصادف الأول من يوليو من كل عام. وتسهم هذه المناسبات في تعزيز الذاكرة الوطنية، وقيم التضحية، وتعميق الشعور بالوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، ونقل هذه المعاني إلى الأجيال الناشئة، جيلًا إثر جيل.

إجمالًا، تؤدي هذه المكونات السياسية دورًا حاسمًا في بناء الهُوية الوطنية، عبر تعزيز الانتماء، وترسيخ الولاء الوطني، وصياغة سردية وطنية جامعة في مواجهة الانقسامات العصبوية.

4- المكونات الاجتماعية:

يتصف المجتمع اليمني بأنه "مجتمع تعددي" [12] فهو يتألف من عدة تكوينات أو جماعات اجتماعية تقليدية وأخرى حديثة. وتسهم هذه التكوينات والجماعات – على تبايناتها – في تشكيل الهُوية الوطنية اليمنية. ويشمل ذلك جماعات سلالية وعرقية، وشرائح اجتماعية، وجماعات دينية وقبلية ومناطقية، إلى جانب طبقات اجتماعية حديثة وأحزاب ومؤسسات مجتمع مدني.

فيما يتعلق بالتكوينات التقليدية، تبرز الجماعات السلالية والعِرقية، إذ تُنسب غالبية القبائل اليمنية على الأصل القحطاني، مع وجود جماعات ذات أصول عدنانية، مثل: السادة الهاشميين [13] فضلاً عن أقليات من أصول أفريقية (كالأحباش) وآسيوية (كالفُرس والأتراك والأكراد والجراكسة "الشركس" والهنود) وكان الجزء الأكبر من هؤلاء عبيد. وباستثناء وجود مجموعة من ذوي الأصول الأفريقية التي ما زالت تعيش بصفتها جماعة مهمشة يطلق عليها "الأخدام"، يتمتع اليمن اليوم بانسجام عرقي، فقد ذابت تلك الأعراق في نسيج المجتمع اليمني عبر القرون. [14]

كما يتضمن البناء التقليدي شرائح اجتماعية هرمية، مثل: السادة، والقضاة، ومشائخ القبائل، والفلاحين، وجماعات مهنية هامشية تعاني من التمييز والاجتماعي والعزل المهني والإثني، مثل: (الجزَّارين، والحلاقين، والدبَّاغين، والمَزاينة، والدواشِن، والقشَّامين، والأخضور، والأحجور، والأخدام، وغيرهم). [15]

وتتعدد الجماعات الدينية داخل المجتمع اليمني، من مذاهب إسلامية رئيسة (الشافعية، الزيدية، الإسماعيلية)، إلى تيارات دينية أخرى (كالسلفية)، إضافةً وجود محدود لليهود. كما تشكّل القبيلة إطارًا اجتماعيًا مهمًا، إذ تحتفظ قبائل كبرى، مثل: حاشد وبكيل ومذحج وحِمير بأدوار اجتماعية وسياسية متفاوتة. ويُضاف إلى ذلك البُعد المناطقي الذي يعكس تأثير التنوع الجغرافي والديمغرافي في تشكيل هُويات محلية مميزة من حيث اللهجات والعادات والقيم الاجتماعية وأنماط العيش وأساليب التفكير.

أما التكوينات الحديثة، فتتمثل في الطبقات الاجتماعية (العليا، والوسطى، والدنيا) التي تتحدد وفق معايير اقتصادية ومهنية، وتشمل فئات متنوعة رجال الأعمال، والموظفين، والمهنيين، والعمال، والفلاحين، والحِرفيين. كما تلعب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في تمثيل الاتجاهات الفكرية المختلفة، وتنظيم الفعل الاجتماعي ضمن أطر تعاقدية حديثة.

ومع ذلك، فإن هذا التقسيم بين التكوينات التقليدية والحديثة هو تقسيم نظري لأغراض تحليلية، إذ يشهد الواقع تداخلًا وتشابكًا بينهما، ما يدفع إلى توصيف المجتمع اليمني بوصفه مجتمعًا انتقاليًا، تتقاطع فيه البنى التقليدية مع العلاقات الحديثة، ويجمع الفرد داخله بين هُويات وانتماءات متعددة ضمن نظام اجتماعي معقد.

وتختلف الروابط الاجتماعية باختلاف الجماعات؛ فالتكوينات التقليدية تقوم على روابط أولية (القرابة، النسب، المذهب، المنطقة، ...إلخ)، وتنتج هُويات عمودية. في حين تقوم التكوينات الحديثة على روابط تعاقدية ومهنية، وتنتج هُويات أفقية. وينشأ عن كل جماعة اجتماعية هُوية فرعية تعبّر عن أنماط التفاعل داخلها، وتتجلى في الممارسات اليومية والثقافة الفرعية وأنماط العيش. كما تتفاعل هذه الجماعات فيما بينها، منتجة هُويات هجينة، تتقاطع فيها أنماط العيش والمصالح الاقتصادية والقيم الثقافية. وفي المحصلة، يشكل مجموع هذه الجماعات والتفاعلات نسقًا اجتماعيًا كليًا، تتبلور في إطاره الهُوية الوطنية اليمنية بوصفها حصيلة لتفاعل الهُويات الفرعية ضمن إطار وطني جامع.

5- المكونات الثقافية:

تعدّ المكونات الثقافية أحد المكونات الأساسية في بناء الهُوية الوطنية اليمنية، وتتضح بصورة خاصة في اللغة والدين باعتبارهما إطارين ناظمين للوعي الاجتماعي والثقافي.

تمثّل اللغة العربية اللغة الرسمية لليمن، وهي لغة الاستعمال في المجتمع اليمني، وتوجد إلى جانبها اللغة المَهرية التي يتحدث بها سكان محافظتي المَهرة وجزيرة سقطرى، وهي إحدى اللغات القديمة الباقية من لغات عرب جنوب الجزيرة العربية، أي اللغات السامية. ويتميز المجتمع اليمني بتنوّع لّغوي غنيّ، بسبب الطبيعة التضاريسية المعقدة، التي أسهمت في نشوء الكثير من اللهجات المَحكِيّة، فهناك لهجات رئيسة، مثل: اللهجة الصنعانية، واللهجة العدنية، واللهجة التعزية، واللهجة الحضرمية، واللهجة التهامية، واللهجة البدوية، واللهجة الخبانية... إلخ. ويتفرّع عن كل لهجة رئيسة عددٌ من اللهجات الفرعية. وتنحدر اللهجات اليمنية، على اختلاف تنوعها وتعددها، من أصلين أساسيين؛ الأول: اللغة اليمنية القديمة، وتدعى لغة "المُسْند"، والثاني: اللغة العربية الفصحى التي بدأها انتشارها في اليمن قبل ظهور الإسلام بوقتٍ قصير، وعمّت معظم أرجاء اليمن بعد انتشار الإسلام فيها. [16]

ويعتبر التراث الثقافي أحد العناصر المكونة في بنية الهُوية الوطنية، بما يضفيه عليها من طابع الخصوصية والتميّز، ويتمظهر في نمطين أساسيين: التراث المادي (الحسيّ)، والتراث اللامادي (الرمزي). ويشمل التراث المادي: الآثار والمعالم التاريخية كالمدن التاريخية، والقِلاع، والحصون، والقصور، والمعابد الدينية. وفنون الزخرفة والنحت التي تتجلى في النحت والرسم على الصخور، والمباني المختلفة، والتماثيل. والمشغولات والحِرف اليدوية، مثل: صياغة الحُليّ، وصناعة الفخار والخزف والتحف والأواني المنزلية، والخياطة والتطريز، وصناعة "القَمَرِيَّات"، بالإضافة إلى صناعة الآلات الموسيقية، مثل: آلة العود (القنبوس)، والناي، والطبول، والدُّف (الطار)، وغيرها. والأزياء الشعبية، التي تشمل الملابس والمجوهرات والإكسسوارات، وتختلف هذه الأزياء من منطقة إلى أخرى باختلاف التضاريس والمناخ، وأبرزها: الأزياء الصنعانية، والتهامية، والصبرية، والحضرمية، والعدنية، والمأربية، والبرود اليمانية.[17] أما التراث اللامادي فيتجلى في الفنون الشعبية، وفي مقدمتها الأغاني التي تتنوع بحسب المناسبات، كأغاني المهد والطفولة، وأغاني الأعراس، وأغاني الأعياد الدينية، وأغاني البالة، وأغاني الدان، وفن الزَّامِل، والمَهاجِل، والمُلالاة، والمَلاحين (الصيادين).[18] وهناك ألوان غنائية شهيرة، مثل: فن الغناء الصنعاني، والغناء اللحجي، والعدني والتهامي، واليافعي، وفن الموشح اليمني. وفنون الرقصات الشعبية التي تتنوع تبعاً لتنوع المناخ والتضاريس، وتختلف كل رقصة عن الأخرى من ناحية عدد الراقصين والأداء والشكل والإيقاعات المصاحبة. وبالرغم من هذا الاختلاف يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسة، هي: الزَّفين، والشَّرح، والبَرَع. [19] كما تشكل العادات والتقاليد والأمثال والحِكم الشعبية منظومة تعكس الخصوصية الثقافية، وأنماط العيش والتفاعل الاجتماعي، والمخزون المعرفي الذي يعكس تجارب المجتمع وقيمه الاجتماعية.

6- المكونات الاقتصادية:

يعد النظام الاقتصادي أحد المكونات البنيوية للهُوية الوطنية اليمنية، وتتجلى أهميته في تعدد قطاعاته، وفي مقدمتها الزراعة، التي تمثل القطاع الأكثر ارتباطًا بخصوصية المجتمع اليمني. فالزراعة لا تقتصر على كونها نشاطًا اقتصاديًا يرفد الأمن الغذائي، ولكنها أسلوب حياة وتنمية مستدامة لها وظائف اقتصادية واجتماعية وبيئية".[20] وتشكّل جوانب مهمة من هُوية المجتمع من ناحية القيم والتقاليد والتراث الشفاهي والمعارف المرتبطة بها التي تتوارثها الأجيال.

وتشتهر اليمن بزراعة بعض المحاصيل والنباتات النادرة، وأشهرها: شجرة البُنْ، وشجرة القات، وشجرة دم الأخوين، والنباتات العِطرية، مثل: المَشَاقِر والحَبَق. فضلًا عما سبق، اشتهر اليمنيون منذ القِدم ببناء المدرجات الزراعية في أشد المناطق الجبلية وعورةً، وبناء السدود والحواجز المائية، وأشهر هذه السدود: سد مأرب وغيرها من السدود المنتشرة في أنحاء اليمن التي مثلت براءة اختراع للإنسان اليمني، لا نكاد نعثر لها على قرين في كل الحضارات القديمة.

إنّ الإنسان اليمني ونتيجةً لطول مِراسه في التعامل مع التكوين الجغرافي لأراضي المرتفعات نمت لديه خبرة عملية نادرة في كيفية بناء تلك المدرجات ومرافق ريّها بما يجعلها أكثر قدرة على مقاومة عوامل التعرية المختلفة، وتجعل من هذه الطبيعة نفسها لوحةً فنيةً أكثر جمالًا ومدعاةً لكبرياء الإنسان نفسه الذي قام بصنعها بكل جدارة واقتدار، ومن هنا يمكن القول: إن الأرض الزراعية لم تكن مجرد مورد اقتصادي للعيش بقدر ما هي جزء لا يتجزأ من شخصية الإنسان اليمني نفسه، وتجسيدًا ماديًا ومعنويًا لرغبته في الاستمرار والبقاء منذ القِدم وحتى اليوم، فهو يرى فيها نفسه ووجوده بقدر ما يحصل منها على ضروراته الاقتصادية والمعيشية. [21]

إنّ الزراعة في اليمن أكثر من مجرد نشاط اقتصادي، فهي نمط حياة، وثقافة غنيّة، ولعل من تجليات ذلك؛ التراث الشفاهي الذي يتضمن قصائد شعرية وأقوال وحِكم منسوبة إلى الحكماء الزراعيين، أمثال: "علي ولد زايد، والحُميد بن منصور، وشرقة بن أحمد، وأبو عامر، وحزام الشبثي، وسعد السويني"، وهم جميعًا شعراء، حكماء، فلاحون، تنسب إليهم طائفة من الأقوال التي تتضمن بعض القواعد الاجتماعية، والخبرات المتعلقة بزراعة الأرض ومعالجتها. وهذه الأقوال يتناقلها الفلاحون جيلًا عن جيل وبالتواتر. وهي تمثل ظاهرةً، هي من أكثر ظواهر الثقافة الشفاهية في اليمن خصوصيةً وتفرُّدًا. [22]

الخاتمة:

من العرض السابق نخلص إلى أن الهُوية الوطنية ليست معطىً ثابتاً أو جوهراً أحادياً، بل هي منظومة نسقيّة تتكون من مكونات وأنساق وعناصر متعددة (جغرافية، وتاريخية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، واقتصادية)، تتفاعل فيما بينها في عملية دينامية مستمرة. ويعد الموقع الجغرافي لليمن عنصرًا بنيويًا في بناء الهُوية من حيث أبعاده الجيوسياسية وتنوعه البيئي، ويسهم التاريخ الحضاري العريق في توليد وعي جمعي بالانتماء، وتعزيز الشعور بالاستمرارية التاريخية والرمزية. وتأتي المكونات السياسية، ولاسيما الانتماء والولاء الوطني والرموز السيادية مكونًا جوهريًا في بنية الهُوية، كما تعكس البنية الاجتماعية التعددية والمركبة التي تجمع بين التكوينات التقليدية والحداثية عملية التفاعل الدينامي بين هُويات فرعية متعددة، وتتداخل فيها البنى ما قبل الوطنية (القرابية، والقبلية، والمناطقية، والمذهبية، ... إلخ) مع البنى التعاقدية الحديثة (الطبقية، والمهنية، والحزبية، والمدنية)، وهو ما يعكس الطابع الانتقالي للمجتمع اليمني، ولهذا فإن اختلال العلاقة بين هذه المكونات المتعددة قد يؤدي بروز الهُويات العصبوية والانتماءات الفرعية على حساب الهُوية الوطنية الجامعة. وتضطلع الثقافة وعناصرها المتمثلة بـ (الدين، واللغة، والتراث) بدور محوري في إعادة إنتاج الهُوية، في حين يمثل الاقتصاد، لاسيما الزراعة، بُعدًا ثقافيًا ونمطًا معيشيًا يعكس الخصوصية اليمنية. وفي المجمل، تظل الهُوية الوطنية مشروعًا مفتوحًا على المستقبل، يتطلب إعادة بناء مستمرة؛ لتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ قيم المواطنة والتعايش، وتحقيق النهوض الشامل والمنشود.

الهوامش والإحالات:

[1] يصف باحث أجنبي موقع اليمن وصفًا مجازيًا لكنه وصف معبّر ويختزل بكثافة الأهمية الجيوسياسية لموقع اليمن، يقول: إنّ اليمن "تقع عند نقطة تقاطع المصير الإنساني، على الطريق بين الشمال والجنوب الشرقي وغرب العالم." (إيلينا جلوبوفسكايا، ثورة 26 سبتمبر في اليمن، ترجمة: محمد قائد طربوش، (بيروت: دار ابن خلدون، 1982)، ص93).

[2] يوسف محمد عبدالله، أوراق في تاريخ اليمن وآثاره: بحوث ومقالات، ط2، (بيروت – دمشق: دار الفكر المعاصر – دار الفكر، 1990)، ص.ص188-189.

[3] المرجع السابق، ص185، وكذلك: سيد مصطفى سالم، تكوين اليمن الحديث: اليمن والإمام يحيى (1904 – 1948)، ط4، (القاهرة: دار الأمين للنشر والتوزيع، 1993)، ص25.

[4] عبدالجليل عبدالفتاح الصوفي، قوة اليمن البشرية وأثرها في وزنها السياسي الإقليمي: دراسة في الجغرافيا السياسية، (الإسكندرية – مصر: المكتب الجامعي الحديث، 2003)، ص.ص31-32.

[5] المرجع السابق، ص.ص39-40.

[6] أليكس ميكشللي، الهُوية، ترجمة: علي أسعد وطفة، (دمشق: دار الوسيم، 1993)، ص67.

[7] أوروسولا براون، اليمن: حالة أخرى للوحدة، في: عبده حمود الشريف [محررًا]، التحولات السياسية في اليمن: بحوث ودراسات غربية، 1990 – 1994، (صنعاء: المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية، 1995)، ص59.

[8] عبدالرحمن عمر السقاف، تطوّر المعرفة التاريخية عن حضارة اليمن قبل الإسلام، (صنعاء: مركز عبادي للدراسات والنشر، 2005)، ص345.

[9] للمزيد؛ راجع: يوسف محمد عبدالله، أوراق في تاريخ اليمن وآثاره: بحوث ومقالات، مرجع سابق، ص.ص15-16، 54، ص198-199.

[10] بندكت أندرسن، الجماعات المُتخيَّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة: ثائر ديب، تقديم: عزمي بشارة، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص59.

[11] عزمي بشارة، الطائفة ــ الطائفية ــ الطوائف المتخيلة، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص156.

[12] حليم بركات، المجتمع العربي في القرن العشرين: بحث في تغير الأحوال والعلاقات، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص25.

[13] قائد نعمان الشرجبي، الشرائح التقليدية في المجتمع اليمني، (بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع بالتعاون مع مركز الدراسات والبحوث اليمني، 1986)، ص137.

[14] أحمد علي الأحصب، هُوية السلطة في اليمن: جدل السياسة والتاريخ، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 2019)، ص.ص136-137.

[15] حمود العودي، العنف والتمييز الاجتماعي بين أشكاله الثقافية وأبعاده السياسية وموقف الإسلام منه "اليمن نموذجًا"، (صنعاء: مركز دال للدراسات، فبراير 2012)، ص97.

[16] علي محمد غالب المخلافي، المنسوب إلى لهجات اليمن في كتب التراث العربي: دراسة لغوية تحليلية، (صنعاء: وزارة الثقافة والسياحة، 2004)، ص.ص186-187.

[17] أمة الغفار يحيى مفضل وزايدة إسماعيل شبام، في: أحمد جابر عفيف [مشرفًا]، الموسوعة اليمنية، مج4، مرجع سابق، ص2706.

[18] حسين سالم باصديق، في التراث الشعبي اليمني، (صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، 1993)، ص.ص14-15.

[19] للمزيد من التفاصيل، راجع: محمد مرشد ناجي، الغناء اليمني القديم ومشاهيره، (الكويت: مطابع الطليعة، 1983)، ص.ص44 ، 82-83.

[20] أمة الملك إسماعيل قاسم الثور، البُن اليمني في التاريخ الحديث والمعاصر (1538 – 1962): دراسة تاريخية وثائقية، (صنعاء: "د.ن"، 2024)، ص168.

[21] حمود العودي، المدخل الاجتماعي في دراسة التاريخ والتراث العربي: دراسة عن المجتمع اليمني، (القاهرة: عالم الكتب، 1980)، ص.ص23، 26.

[22] أحمد الطرس العرامي، ديانة اليمن السرية: ألوهية الحكيم الفلاح في الموروث الشعبي، (القاهرة: مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، 2019)، ص9.

 

 

الهاشتاج
رابط الفيس بوك

حميع الحقوق محفوظة ل مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية ---- برمجة وتصميم ALRAJIHI