قراءة أركيولوجية في أنساق الاستلاب في ضوء دستور الرشد
ممكنات بناء الدولة اليمنية في ظل واقع الصراعممكنات بناء الدولة اليمنية في ظل واقع الصراع
قراءة أركيولوجية في أنساق الاستلاب في ضوء دستور الرشد
البروفيسور/ عبد الواسع الحميري
مَدْخَلٌ مَنْهَجِيٌّ:
مِنْ تَوْصِيْفِ الصِّرَاعِ إِلَى تَفْكِيْكِ بِنْيَةِ الِاسْتِلَابِ
يُعَدُّ الصِّرَاعُ اليَمَنِيُّ مِنْ أَكْثَرِ الصِّرَاعَاتِ تَعْقِيْدًا فِي الفَضَاءِ العَرَبِيِّ الـمُعَاصِرِ؛ لِتَدَاخُلِ أَبْعَادِهِ السِّيَاسِيَّةِ وَالطَّائِفِيَّةِ وَالـقَبَلِيَّةِ وَالإِقْلِيْمِيَّةِ، عَلَى نَحْوٍ جَعَلَ الـحَدِيْثَ عَنْ "بِنَاءِ الدَّوْلَةِ" أَقْرَبَ إِلَى مُجَرَّدِ شِعَارٍ تَتَنَازَعُهُ القُوَى الـمُتَصَارِعَةُ مِنْ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا وَطَنِيًّا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ.
غَيْرَ أَنَّ أَغْلَبَ الـمُقَارَبَاتِ التِي تَنَاوَلَتِ الأَزْمَةَ اليَمَنِيَّةَ ظَلَّتْ حَبِيْسَةَ "الوَصْفِ السِّيَاسِيِّ الـمُبَاشِرِ"؛ إِذِ انْشَغَلَتْ بِتَحْلِيْلِ تَوَازُنَاتِ القُوَّةِ وَخَرَائِطِ النُّفُوذِ وَأَشْكَالِ التَّدَخُّلِ الإِقْلِيْمِيِّ، فِي حِيْنِ أَنَّ البِنْيَةَ الأَعْمَقَ الـمُنْتِجَةَ لِلصِّرَاعِ مَا تَزَالُ فِي كَثِيْرٍ مِنَ الأَحْيَانِ بَعِيْدَةً عَنِ التَّفْكِيْكِ الـمَعْرِفِيِّ.
وَمِنْ هُنَا تَنْطَلِقُ هَذِهِ الوَرَقَةُ مِنْ فَرَضِيَّةٍ مَرْكَزِيَّةٍ مَفَادُهَا أَنَّ أَزْمَةَ الدَّوْلَةِ فِي اليَمَنِ لَيْسَتْ أَزْمَةَ سُلْطَةٍ بِالـمَعْنَى الإِجْرَائِيِّ فَحَسْب، بَلْ هِيَ — فِي جَوْهَرِهَا — أَزْمَةُ "اِسْتِلَابٍ سِيَادِيٍّ" جَرَى فِي ظِلِّهَا تَحْوِيْلُ الإِنْسَانِ اليَمَنِيِّ مِنْ ذَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُؤَهَّلَةٍ لِلشَّرَاكَةِ فِي بِنَاءِ الـمَجَالِ العَامِّ، إِلَى تَابِعٍ تَحْكُمُهُ أَنْسَاقُ الوَصَايَةِ السُّلالِيَّةِ أَوِ الـقَبَلِيَّةِ أَوِ الـحِزْبِيَّةِ أَوِ الـمَنَاطِقِيَّةِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ إِمْكَانَ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِنْتَاجِ تَسْوِيَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ فَحَسْب، بَلْ يَقْتَضِي — قَبْلَ ذَلِكَ — تَفْكِيْكَ البِنْيَةِ الـمُوَلِّدَةِ لِلِاسْتِلَابِ، وَإِعَادَةَ تَأْسِيْسِ الـمَجَالِ الوَطَنِيِّ عَلَى مَبْدَإِ "التَّنَاظُرِ الكَرَامِيِّ" الَّذِي يَرَى فِي الإِنْسَانِ قِيْمَةً سِيَادِيَّةً مُطْلَقَةً، لَا تَسْتَمِدُّ شَرْعِيَّتَهَا مِنَ السُّلالَةِ أَوِ الـغَلَبَةِ أَوِ الِانْتِمَاءِ الـمُغْلَقِ، بَلْ مِنْ كَوْنِهِ إِنْسَانًا مُكَرَّمًا.
تَعْتَمِدُ هَذِهِ الوَرَقَةُ فِي بِنْيَتِهَا الـمَفْهُومِيَّةِ وَالتَّحْلِيْلِيَّةِ عَلَى الـمَرْجِعِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي يَشْتَغِلُ عَلَيْهَا مَشْرُوعُنَا؛ مَشْرُوعُ: "دُسْتُورِ الخِطَابِ: فَهْمًا وَتَأْوِيْلًا"، وَلَا سِيَّمَا الجُزْءُ السَّادِسُ مِنْهُ الـمَوْسُومُ بِـ: "دُسْتُورِ خِطَابِ الرُّشْدِ: هِنْدَسَةُ الـمَبَادِئِ وَإِعَادَةُ بِنَاءِ الذَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ"؛ إِذْ تَنْطَلِقُ الوَرَقَةُ مِنْ جُمْلَةٍ مِنَ الـمَبَادِئِ التَّأْسِيْسِيَّةِ الَّتِي طَوَّرَهَا هَذَا الـمَشْرُوعُ فِي مُقَارَبَةِ ظَوَاهِرِ الِاسْتِلَابِ وَالعُنْفِ الرَّمْزِيِّ وَإِعَادَةِ إِنْتَاجِ الغَلَبَةِ، سَعْيًا إِلَى تَقْدِيْمِ قِرَاءَةٍ تَتَجَاوَزُ التَّوْصِيْفَ السِّيَاسِيَّ الـمُبَاشِرَ نَحْوَ تَفْكِيْكِ البِنَى العَمِيْقَةِ الـمُنْتِجَةِ لِأَزْمَةِ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ.
وَتَسْتَعِيْنُ هَذِهِ الوَرَقَةُ بِمُقَارَبَةٍ تَحْلِيْلِيَّةٍ ذَاتِ طَابِعٍ أَرْكِيُولُوجِيٍّ؛ لَا تَقِفُ عِنْدَ ظَوَاهِرِ الصِّرَاعِ، بَلْ تَسْعَى إِلَى الحَفْرِ فِي الأَنْسَاقِ الخِطَابِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ الَّتِي أَسْهَمَتْ فِي إِعَادَةِ إِنْتَاجِهِ، مُسْتَفِيْدَةً فِي ذَلِكَ مِنَ الإِطَارِ الـمَفْهُومِيِّ الَّذِي يُقَدِّمُهُ "دُسْتُورُ الرُّشْدِ" فِي قِرَاءَةِ أَزَمَاتِ الِاسْتِلَابِ وَبِنَاءِ الـمِيثَاقِ السِّيَادِيِّ.
وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الوَرَقَةَ لَا تَسْعَى إِلَى تَقْدِيْمِ وَصْفَةٍ سِيَاسِيَّةٍ جَاهِزَةٍ لِحَلِّ الأَزْمَةِ اليَمَنِيَّةِ، بِقَدْرِ مَا تَسْعَى إِلَى إِعَادَةِ صِيَاغَةِ السُّؤَالِ نَفْسِهِ:
كَيْفَ يُمْكِنُ بِنَاءُ دَوْلَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ فِي ظِلِّ بِنْيَةٍ ثَقَافِيَّةٍ مَا تَزَالُ تُعِيْدُ إِنْتَاجَ الِاسْتِلَابِ وَتُشَرْعِنُ التَّفَاضُلَ الـمَا قَبْلَ دُسْتُورِيَّ؟
أَوَّلًا: حَفْرِيَّاتُ الِاسْتِلَابِ فِي البِنْيَةِ اليَمَنِيَّةِ
إِذَا كَانَتِ الدَّوْلَةُ فِي جَوْهَرِهَا هِيَ الفَضَاءُ الَّذِي يَتَحَوَّلُ فِيْهِ الإِنْسَانُ مِنْ كَائِنٍ مَحْكُومٍ بِالعَصَبِيَّةِ إِلَى ذَاتٍ يَحْكُمُهَا الـمِيثَاقُ، فَإِنَّ الأَزْمَةَ اليَمَنِيَّةَ تَكْشِفُ عَنْ تَعَثُّرٍ تَارِيْخِيٍّ فِي تَشَكُّلِ هَذَا الِانْتِقَالِ؛ حَيْثُ ظَلَّتْ بِنْيَةُ الِانْتِمَاءِ الـمَا قَبْلَ دُسْتُورِيِّ أَقْوَى مِنْ بِنْيَةِ الـمُوَاطَنَةِ، وَبَقِيَتِ الـجَمَاعَاتُ الـمُغْلَقَةُ قَادِرَةً عَلَى اِبْتِلَاعِ الـمَجَالِ الوَطَنِيِّ كُلَّمَا ضَعُفَتْ سُلْطَةُ الـمَبْدَأِ وَتَرَاجَعَتْ مَرْجِعِيَّةُ الدَّوْلَةِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الصِّرَاعِ اليَمَنِيِّ لَا تَكْتَمِلُ بِتَتَبُّعِ مَسَارِ الـحُرُوبِ وَالِانْقِلَابَاتِ وَالتَّحَالُفَاتِ فَحَسْب، بَلْ تَقْتَضِي الحَفْرَ فِي "الأَنْسَاقِ الِاسْتِلَابِيَّةِ" الَّتِي أَعَادَتْ إِنْتَاجَ هَذَا الصِّرَاعِ، وَحَوَّلَتِ الإِنْسَانَ اليَمَنِيَّ مِنْ مُوَاطِنٍ مُفْتَرَضٍ فِي دَوْلَةٍ مُشْتَرَكَةٍ إِلَى "تَابِعٍ" فِي بِنْيَةٍ تَتَغَذَّى عَلَى الِانْقِسَامِ وَالِاحْتِكَارِ وَفَوَائِضِ الـهُوِيَّةِ الـمُغْلَقَةِ.
1. الِاسْتِلَابُ السُّلالِيُّ: حِينَ يَتَحَوَّلُ النَّسَبُ إِلَى شَرْعِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ
لَعَلَّ أَخْطَرَ أَنْسَاقِ الِاسْتِلَابِ الَّتِي عَرَفَهَا الـمَجَالُ اليَمَنِيُّ هُوَ ذَلِكَ النَّسَقُ الَّذِي يَعْمَدُ إِلَى تَحْوِيْلِ الِانْتِمَاءِ السُّلالِيِّ مِنْ مُجَرَّدِ رَابِطَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ أَوْ تَارِيْخِيَّةٍ إِلَى "مَصْدَرِ شَرْعِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ" يَمْنَحُ فِئَةً بَشَرِيَّةً حَقًّا فَوْقَ دُسْتُورِيٍّ فِي الحُكْمِ وَالتَّوْجِيْهِ وَالْوِصَايَةِ.
وَلَا تَكْمُنُ خُطُورَةُ هَذَا النَّسَقِ فِي كَوْنِهِ يُنْتِجُ تَفَاضُلًا اجْتِمَاعِيًّا فَحَسْب، بَلْ فِي كَوْنِهِ يَنْقُلُ الـمُجْتَمَعَ مِنْ مَنْطِقِ "الشَّرَاكَةِ الإِنْسَانِيَّةِ" إِلَى مَنْطِقِ "الِاصْطِفَاءِ السِّيَاسِيِّ"؛ حَيْثُ يُعَادُ تَعْرِيْفُ الإِنْسَانِ لَا بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ أَهْلِيَّةٍ وَكِفَاءَةٍ، بَلْ بِمَا يَدَّعِي الِانْتِسَابَ إِلَيْهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ سُلَالَةٍ.
وَبِهَذَا الـمَعْنَى، فَإِنَّ الِاسْتِلَابَ السُّلالِيَّ لَا يُصَادِرُ السُّلْطَةَ فَقَطْ، بَلْ يُصَادِرُ "مَبْدَأَ الإِنْسَانِ" نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ يُحَوِّلُ الكَرَامَةَ مِنْ قِيْمَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ إِلَى "فَائِضِ نَسَبٍ" تَحْتَكِرُهُ جَمَاعَةٌ تَدَّعِي اِمْتِلَاكَ الحَقِّ فِي التَّأْوِيْلِ وَالْوِلَايَةِ وَالـحُكْمِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَعَذَّرُ بِنَاءُ الدَّوْلَةِ الـمَدَنِيَّةِ؛ لِأَنَّ الدَّوْلَةَ لَا تَقُومُ فِي ظِلِّ جَمَاعَةٍ تَرَى نَفْسَهَا "أَصْلًا" وَتَرَى بَقِيَّةَ الـمُجْتَمَعِ "فَرْعًا"، أَوْ تَعْتَبِرُ نَفْسَهَا "مَالِكَةً لِلْوِلَايَةِ" فِي حِيْنِ تَرَى الآخَرِيْنَ مُجَرَّدَ رَعِيَّةٍ يَسْتَمِدُّونَ مَشْرُوعِيَّةَ وُجُودِهِمُ السِّيَاسِيِّ مِنْ رِضَاهَا.
2. الِاسْتِلَابُ القَبَلِيُّ: حِينَ تَبْتَلِعُ العَصَبِيَّةُ الـمَجَالَ الوَطَنِيَّ
إِذَا كَانَ الِاسْتِلَابُ السُّلالِيُّ يَسْتَنِدُ إِلَى "مِيثُولُوجْيَا الاصْطِفَاءِ"، فَإِنَّ الِاسْتِلَابَ القَبَلِيَّ يَسْتَنِدُ إِلَى "فَائِضِ الغَلَبَةِ"؛ حَيْثُ تُعَادُ هَيْكَلَةُ الـمَجَالِ العَامِّ وَفْقَ مَنْطِقِ القُوَّةِ العَصَبِيَّةِ لَا وَفْقَ مَنْطِقِ الـمُواطَنَةِ وَالقَانُونِ.
وَقَدْ أَسْهَمَ ضَعْفُ الـمُؤَسَّسَةِ الدَّوْلَتِيَّةِ فِي اليَمَنِ تَارِيْخِيًّا فِي تَحَوُّلِ القَبِيْلَةِ مِنْ إِطَارٍ اجْتِمَاعِيٍّ تَكَافُلِيٍّ إِلَى بَدِيْلٍ عَنِ الدَّوْلَةِ نَفْسِهَا؛ فَأَصْبَحَ الِانْتِمَاءُ القَبَلِيُّ فِي كَثِيْرٍ مِنَ الأَحْيَانِ أَقْوَى مِنَ الِانْتِمَاءِ الوَطَنِيِّ، وَتَحَوَّلَ الوَلَاءُ لِلشَّيْخِ أَوِ العَصَبِيَّةِ إِلَى مَرْجِعِيَّةٍ تُنَافِسُ سُلْطَةَ الدُّسْتُورِ وَالقَانُونِ.
غَيْرَ أَنَّ الإِشْكَالَ لَا يَكْمُنُ فِي وُجُودِ القَبِيْلَةِ بِذَاتِهَا، فَالْقَبِيْلَةُ مِثْلُهَا مِثْلُ أَيِّ تَشَكُّلٍ اجْتِمَاعِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يُسْهِمَ فِي حِمَايَةِ التَّمَاسُكِ الاجْتِمَاعِيِّ؛ بَلْ يَكْمُنُ الإِشْكَالُ فِي تَحَوُّلِهَا إِلَى "سُلْطَةٍ فَوْقَ وَطَنِيَّةٍ" تُعِيدُ تَوْزِيْعَ الـمُوَاطَنَةِ وَفْقَ مَعَايِيْرِ القُرْبِ وَالـحِلْفِ وَالـحِمَايَةِ، لَا وَفْقَ مَبْدَإِ التَّسَاوِي السِّيَادِيِّ بَيْنَ الأَفْرَادِ.
وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ يَتَحَوَّلُ الـمُجْتَمَعُ إِلَى فَضَاءِ "تَنَازُعِ عَصَبِيَّاتٍ"، لَا فَضَاءَ "تَعَاقُدِ مُوَاطِنِيْنَ"، وَتَغْدُو الدَّوْلَةُ مُجَرَّدَ سَاحَةِ تَوَازُنٍ هَشٍّ بَيْنَ مَرَاكِزِ القُوَّةِ، لَا مَظَلَّةً عَادِلَةً تَنْتَظِمُ تَحْتَهَا الجَمِيْعُ.
3. الِاسْتِلَابُ الحِزْبِيُّ: حِينَ تَتَحَوَّلُ الأَيْدِيُولُوجْيَا إِلَى بَدِيْلٍ عَنِ الوَطَنِ
أَمَّا الِاسْتِلَابُ الحِزْبِيُّ فَيَتَجَلَّى حِيْنَ تَتَحَوَّلُ الأَحْزَابُ مِنْ أَدَوَاتٍ لِلتَّدَاوُلِ السِّيَاسِيِّ وَإِدَارَةِ الِاخْتِلَافِ إِلَى "هُوِيَّاتٍ مُغْلَقَةٍ" تَدَّعِي اِحْتِكَارَ الـحَقِيْقَةِ وَالوَطَنِ وَالـمَشْرُوعِ التَّارِيْخِيِّ.
وَفِي هَذِهِ الحَالَةِ، لَا يَعُودُ الـمُنَافِسُ السِّيَاسِيُّ "شَرِيْكاً مُخَالِفاً"، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى "خَطَرٍ وُجُودِيٍّ" يَجِبُ إِقْصَاؤُهُ أَوْ تَخْوِيْنُهُ أَوِ اسْتِئْصَالُهُ. وَهُنَا يَتَشَكَّلُ وَعْيٌ سِيَاسِيٌّ مَأْزُومٌ يُعِيْدُ إِنْتَاجَ الـحَرْبِ حَتَّى فِي لَحَظَاتِ السِّلْمِ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي العَلَاقَةَ مَعَ الآخَرِ عَلَى مَنْطِقِ الـمُطَابَقَةِ الأَيْدِيُولُوجِيَّةِ لَا عَلَى مَبْدَإِ الشَّرَاكَةِ الوَطَنِيَّةِ.
وَقَدْ أَسْهَمَتِ الِاصْطِفَافَاتُ الحِزْبِيَّةُ الحَادَّةُ فِي اليَمَنِ فِي تَشْظِيَةِ الـمَجَالِ الوَطَنِيِّ؛ حَيْثُ جَرَى فِي كَثِيْرٍ مِنَ الأَحْيَانِ الاِسْتِبْدَالُ بفِكْرَةِ "الدَّوْلَةِ الجَامِعَةِ" فِكْرَةَ "الغَلَبَةِ الأَيْدِيُولُوجِيَّةِ"، فَتَحَوَّلَتِ السِّيَاسَةُ مِنْ فَنِّ إِدَارَةِ الِاخْتِلَافِ إِلَى أَدَاةٍ لِتَفْكِيْكِ الوَطَنِ وَإِعَادَةِ تَوْزِيْعِهِ بَيْنَ الـمَشَارِيْعِ الـمُتَنَازِعَةِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ بِنَاءَ الدَّوْلَةِ يَفْتَرِضُ تَحْرِيْرَ الحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ مِنْ مَنْطِقِ "الـحِزْبِ الـمُنْقِذِ" الَّذِي يَخْتَزِلُ الوَطَنَ فِي ذَاتِهِ، وَإِعَادَةَ تَأْسِيْسِهَا عَلَى مَبْدَإِ التَّعَدُّدِ وَالتَّدَاوُلِ وَالِاعْتِرَافِ الـمُتَبَادَلِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الـمَجَالِ الوَطَنِيِّ.
4. الِاسْتِلَابُ الـمَنَاطِقِيُّ: حِينَ تُصْبِحُ الجُغْرَافْيَا أَدَاةً لِتَوْزِيْعِ الكَرَامَةِ
وَيَبْلُغُ الِاسْتِلَابُ ذُرْوَتَهُ حِيْنَ تَتَحَوَّلُ الجُغْرَافْيَا نَفْسُهَا إِلَى أَدَاةٍ لِإِنْتَاجِ التَّفَاضُلِ وَإِعَادَةِ تَوْزِيْعِ الـمَشْرُوعِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ؛ حَيْثُ يُعَادُ تَعْرِيْفُ الإِنْسَانِ لَا بِوَصْفِهِ مُوَاطِنًا، بَلْ بِوَصْفِهِ اِمْتِدَادًا لِجُغْرَافْيَا مُقَدَّسَةٍ أَوْ مُدَانَةٍ.
وَفِي ظِلِّ هَذَا النَّسَقِ، تُنْتَجُ خِطَابَاتُ "النَّقَاءِ الـمَكَانِيِّ" وَ"الْوِلَايَةِ الجُغْرَافِيَّةِ" وَ"الـمَظْلُومِيَّةِ التَّارِيْخِيَّةِ"، فَيُصْبِحُ الـمَكَانُ بَدِيْلًا عَنِ الـمُوَاطَنَةِ، وَتَتَحَوَّلُ الـمَدِيْنَةُ أَوِ الـمِنْطَقَةُ مِنْ حَيِّزٍ جُغْرَافِيٍّ مُشْتَرَكٍ إِلَى "هُوِيَّةٍ قِتَالِيَّةٍ" تُعِيدُ إِنْتَاجَ الحُدُودِ النَّفْسِيَّةِ بَيْنَ اليَمَنِيِّينَ.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ أَخْطَرَ مَا يَنْتُجُهُ الِاسْتِلَابُ الـمَنَاطِقِيُّ لَيْسَ تَقْسِيْمَ الجُغْرَافْيَا فَحَسْب، بَلْ تَقْسِيْمَ الـوَعْيِ الوَطَنِيِّ نَفْسِهِ؛ حَيْثُ يَفْقِدُ الإِنْسَانُ قُدْرَتَهُ عَلَى رُؤْيَةِ الآخَرِ بِوَصْفِهِ شَرِيْكًا فِي الوَطَنِ، وَيَبْدَأُ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ كَتَهْدِيْدٍ مُحْتَمَلٍ لِلْهُوِيَّةِ أَوِ الـمَصِيْرِ.
وَعِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَةِ، لَا تَعُودُ الدَّوْلَةُ مُمْكِنَةً بِمَعْنَاهَا الـمَدَنِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّوْلَةَ لَا تَقُومُ فِي فَضَاءٍ تَتَوَزَّعُ فِيْهِ الكَرَامَةُ بِحَسَبِ الـخَرِيْطَةِ، بَلْ فِي فَضَاءٍ يَتَسَاوَى فِيْهِ الجَمِيْعُ أَمَامَ الـمِيثَاقِ وَالقَانُونِ وَالإِنْسَانِيَّةِ الـمُشْتَرَكَةِ.
ثَانِيًا: أَزْمَةُ الدَّوْلَةِ بَيْنَ الغَلَبَةِ وَالـمِيْثَاقِ
إِذَا كَانَتْ أَنْسَاقُ الِاسْتِلَابِ السُّلالِيِّ وَالقَبَلِيِّ وَالحِزْبِيِّ وَالـمَنَاطِقِيِّ قَدْ أَسْهَمَتْ فِي تَشْظِيَةِ الـمَجَالِ اليَمَنِيِّ، فَإِنَّ الأَثَرَ الأَعْمَقَ الَّذِي خَلَّفَتْهُ يَتَجَلَّى فِي إِعَاقَةِ تَشَكُّلِ "فِكْرَةِ الدَّوْلَةِ" نَفْسِهَا؛ ذَلِكَ أَنَّ الدَّوْلَةَ لَا تَقُومُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ سُلْطَةٍ أَوْ جِهَازٍ إِدَارِيٍّ أَوْ حُدُودٍ جُغْرَافِيَّةٍ، بَلْ تَقُومُ — فِي جَوْهَرِهَا — عَلَى وُجُودِ "مِيثَاقٍ سِيَادِيٍّ" يَعْتَرِفُ فِي ظِلِّهِ الجَمِيْعُ بِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ مُتَكَافِئُونَ فِي الحَقِّ وَالـمَصِيْرِ وَالـمَجَالِ العَامِّ.
غَيْرَ أَنَّ التَّارِيْخَ السِّيَاسِيَّ اليَمَنِيَّ — فِي كَثِيْرٍ مِنْ مَرَاحِلِهِ — قَدْ تَأَرْجَحَ بَيْنَ نَمَاذِجَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ "دَوْلَةِ الغَلَبَةِ"؛ حَيْثُ ظَلَّتِ السُّلْطَةُ تُبْنَى فِي أَحْيَانٍ كَثِيْرَةٍ عَلَى مَنْطِقِ التَّفَوُّقِ السُّلالِيِّ، أَوِ التَّحَالُفِ العَصَبِيِّ، أَوِ الِاحْتِكَارِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ، أَوِ التَّوَازُنَاتِ القُوَوِيَّةِ الـمُؤَقَّتَةِ، لَا عَلَى مَبْدَإِ التَّعَاقُدِ الوَطَنِيِّ الشَّامِلِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ أَزْمَةَ الدَّوْلَةِ فِي اليَمَنِ لَا تَتَمَثَّلُ فِي "سُقُوطِ الدَّوْلَةِ" فَقَطْ، بَلْ فِي التَّعَثُّرِ التَّارِيْخِيِّ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ "شَرْعِيَّةِ الغَلَبَةِ" إِلَى "شَرْعِيَّةِ الـمِيْثَاقِ".
1. دَوْلَةُ الغَلَبَةِ: حِينَ تَتَحَوَّلُ السُّلْطَةُ إِلَى غَنِيْمَةٍ
تَقُومُ "دَوْلَةُ الغَلَبَةِ" عَلَى فِكْرَةٍ ضِمْنِيَّةٍ مَفَادُهَا أَنَّ الـحَقَّ السِّيَاسِيَّ يُنْتَزَعُ بِالقُوَّةِ، وَأَنَّ الـمَشْرُوعِيَّةَ تُشْتَقُّ مِنَ التَّفَوُّقِ لَا مِنَ التَّرَاضِي. وَفِي ظِلِّ هَذَا الـمَنْطِقِ، لَا تَعُودُ الدَّوْلَةُ فَضَاءً مُشْتَرَكًا لِإِدَارَةِ الِاخْتِلَافِ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى "غَنِيْمَةٍ كُبْرَى" تَسْعَى الـجَمَاعَاتُ الـمُتَصَارِعَةُ إِلَى الِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْهَا وَتَسْخِيْرِهَا لِإِعَادَةِ إِنْتَاجِ هَيْمَنَتِهَا.
وَحِيْنَ تُخْتَزَلُ الدَّوْلَةُ فِي كَوْنِهَا "أَدَاةَ غَلَبَةٍ"، فَإِنَّ الـمُؤَسَّسَاتِ تَفْقِدُ حِيَادَهَا، وَيَتَحَوَّلُ القَانُونُ إِلَى وَسِيْلَةِ إِخْضَاعٍ، وَيُعَادُ تَوْزِيْعُ الـمُوَاطَنَةِ وَفْقَ مَعَايِيْرِ الوَلَاءِ وَالِاصْطِفَافِ، لَا وَفْقَ مَبْدَإِ الِاسْتِحْقَاقِ الدُّسْتُورِيِّ الـمُتَسَاوِي.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ أَخْطَرَ مَا تُنْتِجُهُ دَوْلَةُ الغَلَبَةِ هُوَ تَحْوِيْلُ الـمُجْتَمَعِ كُلِّهِ إِلَى فَضَاءِ شَكٍّ وَخَوْفٍ وَتَرَقُّبٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ جَمَاعَةٍ تُدْرِكُ أَنَّ وُجُودَهَا السِّيَاسِيَّ مَرْهُونٌ بِمَوَازِيْنِ القُوَّةِ لَا بِحِمَايَةِ الـمِيْثَاقِ، وَأَنَّ خُسْرَانَهَا السِّيَاسِيَّ قَدْ يَعْنِي إِقْصَاءَهَا مِنَ الـمَجَالِ العَامِّ بِأَكْمَلِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ، يَتَحَوَّلُ الصِّرَاعُ مِنْ صِرَاعٍ عَلَى "إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ" إِلَى صِرَاعٍ عَلَى "امْتِلَاكِ الدَّوْلَةِ" نَفْسِهَا، وَهُنَا تَتَعَذَّرُ إِمْكَانِيَّةُ الِاسْتِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي يَشْعُرُ بَعْضُ مُوَاطِنِيْهَا أَنَّهَا مِلْكٌ لِغَيْرِهِمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى وَطَنٍ جَامِعٍ.
2. أَزْمَةُ الشَّرْعِيَّةِ: مِنْ سِيَادَةِ الـمَبْدَأِ إِلَى شَرْعَنَةِ التَّغَلُّبِ
لَا تَسْتَمِدُّ الدَّوْلَةُ مَشْرُوعِيَّتَهَا الـمُسْتَقِرَّةَ مِنْ مَجَرَّدِ السَّيْطَرَةِ عَلَى الأَرْضِ أَوِ اِحْتِكَارِ السِّلَاحِ، بَلْ مِنْ قُدْرَتِهَا عَلَى تَحْوِيْلِ القُوَّةِ إِلَى "شَرْعِيَّةٍ مِيثَاقِيَّةٍ" يَقْبَلُهَا الـمُجْتَمَعُ بِوَصْفِهَا حَامِيَةً لِلْجَمِيْعِ لَا مُعَبِّرَةً عَنْ فِئَةٍ دُونَ أُخْرَى.
غَيْرَ أَنَّ أَحَدَ أَعْطَابِ البِنْيَةِ السِّيَاسِيَّةِ فِي اليَمَنِ يَتَجَلَّى فِي تَكَرُّرِ إِنْتَاجِ "شَرْعِيَّاتٍ مُتَنَافِسَةٍ"؛ شَرْعِيَّةٍ تَسْتَنِدُ إِلَى السُّلالَةِ، وَأُخْرَى إِلَى الثَّوْرَةِ، وَثَالِثَةٍ إِلَى القَبِيْلَةِ، وَرَابِعَةٍ إِلَى التَّفْوِيْضِ الحِزْبِيِّ أَوِ الـمَنَاطِقِيِّ، فَتَتَحَوَّلُ الدَّوْلَةُ إِلَى سَاحَةِ صِرَاعِ مَرْجِعِيَّاتٍ لَا سَاحَةَ تَوَافُقٍ وَطَنِيٍّ.
وَفِي ظِلِّ هَذَا التَّشَظِّي، تَفْقِدُ فِكْرَةُ "القَانُونِ الـمُجَرَّدِ" فَاعِلِيَّتَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ جَمَاعَةٍ تَسْعَى إِلَى إِخْضَاعِ الدُّسْتُورِ لِتَأْوِيْلِهَا الـخَاصِّ، وَإِلَى تَحْوِيْلِ الدَّوْلَةِ مِنْ مَرْجِعِيَّةٍ عُلْيَا فَوْقَ الـجَمِيْعِ إِلَى أَدَاةٍ لِتَكْرِيْسِ غَلَبَتِهَا وَإِضْفَاءِ الـمَشْرُوعِيَّةِ عَلَى مَصَالِحِهَا.
وَهُنَا تَظْهَرُ الأَزْمَةُ الـجَوْهَرِيَّةُ: إِذْ يَغِيبُ "الـمَبْدَأُ الـمُنَظِّمُ" الَّذِي يَجْعَلُ الجَمِيْعَ خَاضِعِيْنَ لِمِعْيَارٍ وَاحِدٍ، وَيَحِلُّ مَحَلَّهُ مَنْطِقُ التَّفَاضُلِ وَالِاحْتِكَارِ وَالِاسْتِثْنَاءِ.
3. دَوْلَةُ الـمِيْثَاقِ: مِنَ الغَلَبَةِ إِلَى الشَّرَاكَةِ السِّيَادِيَّةِ
فِي مُقَابِلِ دَوْلَةِ الغَلَبَةِ، تَقُومُ "دَوْلَةُ الـمِيْثَاقِ" عَلَى فِكْرَةٍ مُغَايِرَةٍ جِذْرِيًّا؛ إِذْ لَا يُنْظَرُ فِيْهَا إِلَى الإِنْسَانِ بِوَصْفِهِ تَابِعًا لِجَمَاعَةٍ مُتَغَلِّبَةٍ، بَلْ بِوَصْفِهِ "ذَاتًا سِيَادِيَّةً" تَمْتَلِكُ حَقَّ الشَّرَاكَةِ الـمُتَكَافِئَةِ فِي إِنْتَاجِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِدَارَةِ الـمَجَالِ العَامِّ.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ دَوْلَةَ الـمِيْثَاقِ لَا تُؤَسَّسُ عَلَى فَائِضِ القُوَّةِ، بَلْ عَلَى "سِيَادَةِ الـمَبْدَأِ"؛ أَيْ عَلَى خُضُوعِ الجَمِيْعِ — حَاكِمِيْنَ وَمَحْكُومِيْنَ، جَمَاعَاتٍ وَأَفْرَادًا — لِمِعْيَارٍ دُسْتُورِيٍّ وَاحِدٍ لَا يَمْنَحُ أَحَدًا فَائِضًا فِي الكَرَامَةِ أَوِ الـحَقِّ السِّيَاسِيِّ بِسَبَبِ النَّسَبِ أَوِ العَصَبِيَّةِ أَوِ الـجُغْرَافْيَا أَوِ الأَيْدِيُولُوجْيَا.
وَبِهَذَا الـمَعْنَى، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ نَحْوَ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ فِي اليَمَنِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ عَبْرَ مُجَرَّدِ إِعَادَةِ تَوْزِيْعِ الحِصَصِ بَيْنَ القُوَى الـمُتَصَارِعَةِ، بَلْ يَقْتَضِي إِعَادَةَ تَأْسِيْسِ الـمَجَالِ الوَطَنِيِّ عَلَى مَبْدَإِ "الشَّرَاكَةِ السِّيَادِيَّةِ"؛ أَيْ عَلَى الِاعْتِرَافِ الـمُتَبَادَلِ بِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ لِأَيِّ جَمَاعَةٍ أَنْ تَتَصَرَّفَ بِالوَطَنِ بِوَصْفِهِ مِلْكِيَّةً خَاصَّةً أَوْ إِرْثًا تَارِيْخِيًّا أَوْ غَنِيْمَةَ حَرْبٍ.
4. مِنَ الـهُدْنَةِ السِّيَاسِيَّةِ إِلَى إِعَادَةِ تَأْسِيْسِ الوَعْيِ الوَطَنِيِّ
وَلَعَلَّ أَخْطَرَ مَا يُوَاجِهُ أَيَّ مَشْرُوعٍ لِبِنَاءِ الدَّوْلَةِ فِي اليَمَنِ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِمُجَرَّدِ "تَسْكِيْنِ الصِّرَاعِ" دُونَ مُعَالَجَةِ البِنْيَةِ الـمُنْتِجَةِ لَهُ؛ ذَلِكَ أَنَّ الـهُدَنَ السِّيَاسِيَّةَ قَدْ تُوَقِفُ الـحَرْبَ مُؤَقَّتًا، لَكِنَّهَا لَا تَبْنِي دَوْلَةً مَا دَامَ الوَعْيُ الجَمْعِيُّ مَا يَزَالُ مَحْكُومًا بِمَنْطِقِ الغَلَبَةِ وَالِاحْتِكَارِ وَالْوِصَايَةِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الـمَطْلُوبَ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِنْهَاءِ الحَرْبِ، بَلْ إِعَادَةُ تَأْسِيْسِ فِكْرَةِ "الوَطَنِ الـمُشْتَرَكِ" نَفْسِهَا؛ بِحَيْثُ يَتَحَوَّلُ اليَمَنِيُّ مِنْ عُضْوٍ فِي جَمَاعَةٍ مُغْلَقَةٍ إِلَى شَرِيْكٍ فِي مِيثَاقٍ وَطَنِيٍّ يَحْمِي الجَمِيْعَ بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ، وَيُخْضِعُ الجَمِيْعَ لِلْمِعْيَارِ ذاتِهِ.
فَعِنْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ فَقَطْ، يُمْكِنُ لِلدَّوْلَةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ "سُلْطَةٍ فَوْقَ الـمُجْتَمَعِ" إِلَى "مِيثَاقٍ يَنْتَظِمُ بِهِ الـمُجْتَمَعُ"، وَمِنْ غَنِيْمَةٍ تَتَنَازَعُهَا القُوَى إِلَى فِضَاءٍ سِيَادِيٍّ مُشْتَرَكٍ يَجِدُ فِيْهِ اليَمَنِيُّ ذَاتَهُ وَكَرَامَتَهُ وَمُسْتَقْبَلَهُ.
ثَالِثًا: التَّنَاظُرُ الكَرَامِيُّ بِوَصْفِهِ أَسَاسًا لِإِعَادَةِ بِنَاءِ الشَّرْعِيَّةِ
إِذَا كَانَتْ أَزْمَةُ الدَّوْلَةِ فِي اليَمَنِ قَدِ ارْتَبَطَتْ تَارِيْخِيًّا بِهَيْمَنَةِ أَنْسَاقِ الغَلَبَةِ وَالِاسْتِلَابِ، فَإِنَّ أَيَّ مَشْرُوعٍ جَادٍّ لِإِعَادَةِ بِنَاءِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْجَحَ مَا لَمْ يُعِدِ النَّظَرَ فِي "الصُّورَةِ الأَوَّلِيَّةِ لِلإِنْسَانِ" الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا البِنْيَةُ السِّيَاسِيَّةُ نَفْسُهَا؛ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ نِظَامٍ سِيَاسِيٍّ يَسْبِقُهُ ضِمْنِيًّا "تَعْرِيْفٌ لِلإِنْسَانِ":
o مَنْ يَمْلِكُ الـحَقَّ فِي الشَّرَاكَةِ؟
o وَمَنْ يَمْلِكُ الـحَقَّ فِي التَّوْجِيْهِ؟
o وَمَنْ يُعَدُّ مُوَاطِنًا كَامِلَ الأَهْلِيَّةِ؟
o وَمَنْ يُدْفَعُ إِلَى هَامِشِ الوُجُودِ السِّيَاسِيِّ؟
وَلِهَذَا، فَإِنَّ أَعْمَقَ مَا أَنْتَجَتْهُ أَنْسَاقُ الِاسْتِلَابِ فِي اليَمَنِ لَمْ يَكُنْ اِحْتِكَارَ السُّلْطَةِ فَحَسْب، بَلْ إِعَادَةَ تَصْنِيْفِ البَشَرِ دَاخِلَ الـمَجَالِ الوَطَنِيِّ إِلَى دَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ مِنَ الكَرَامَةِ وَالأَهْلِيَّةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ السِّيَاسِيِّ.
وَمِنْ هُنَا، تَبْرُزُ مَرْكَزِيَّةُ مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ "التَّنَاظُرِ الكَرَامِيِّ"؛ بِوَصْفِهِ الـمَبْدَأَ الَّذِي يُعِيْدُ تَأْسِيْسَ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ جَامِعَةٍ، تَرَى فِي الإِنْسَانِ قِيْمَةً أَصِيْلَةً لَا تُشْتَقُّ مِنَ النَّسَبِ، وَلَا مِنَ العَصَبِيَّةِ، وَلَا مِنَ الـجُغْرَافْيَا، وَلَا مِنَ الِاصْطِفَاءِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ، بَلْ مِنْ كَوْنِهِ إِنْسَانًا مُكَرَّمًا فِي أَصْلِ الخِلْقَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ.
1. مِنْ فَائِضِ الهُوِيَّةِ إِلَى مُطْلَقِ الإِنْسَانِ
إِنَّ جَوْهَرَ أَزْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي البِنْيَةِ الِاسْتِلَابِيَّةِ يَكْمُنُ فِي مَنْحِ بَعْضِ الـجَمَاعَاتِ "فَائِضًا فِي الإِنْسَانِيَّةِ" يُخَوِّلُهَا الِاحْتِكَارَ الرَّمْزِيَّ وَالسِّيَاسِيَّ لِلْوَطَنِ وَالحَقِّ وَالتَّأْوِيْلِ. وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، يَتَحَوَّلُ الِانْتِمَاءُ إِلَى أَدَاةٍ لِتَوْزِيْعِ الكَرَامَةِ، لَا مُجَرَّدِ تَعْبِيْرٍ عَنِ التَّنَوُّعِ الاجْتِمَاعِيِّ.
غَيْرَ أَنَّ التَّنَاظُرَ الكَرَامِيَّ يَنْقُضُ هَذَا الـمَنْطِقَ مِنْ أَسَاسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَرِّرُ أَنَّ الكَرَامَةَ لَيْسَتْ "مِنْحَةً جَمَاعِيَّةً"، بَلْ "حَقٌّ أَنْطُولُوجِيٌّ" مُلَازِمٌ لِلإِنْسَانِ بِوَصْفِهِ إِنْسَانًا. وَبِهَذَا الـمَعْنَى، فَإِنَّ أَيَّ بِنْيَةٍ سِيَاسِيَّةٍ تَبْنِي شَرْعِيَّتَهَا عَلَى اِفْتِرَاضِ تَفَوُّقِ جَمَاعَةٍ عَلَى أُخْرَى تُعَدُّ — فِي جَوْهَرِهَا — بِنْيَةً نَاقِضَةً لِمَبْدَإِ الرُّشْدِ الإِنْسَانِيِّ؛ لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ الإِنْسَانَ مِنْ غَايَةٍ مُطْلَقَةٍ إِلَى وَسِيْلَةٍ فِي خِدْمَةِ الهُوِيَّاتِ الـمُغْلَقَةِ.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ إِعَادَةَ بِنَاءِ الشَّرْعِيَّةِ فِي اليَمَنِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَقُومَ عَلَى إِعَادَةِ تَوَازُنِ القُوَى بَيْنَ الـجَمَاعَاتِ فَحَسْب، بَلْ تَقْتَضِي تَفْكِيْكَ الفِكْرَةِ الَّتِي تَمْنَحُ أَصْلًا أَيَّ جَمَاعَةٍ حَقَّ الِاحْتِكَارِ أَوِ الوِصَايَةِ.
2. التَّنَاظُرُ الكَرَامِيُّ وَإِعَادَةُ تَعْرِيْفِ الـمُوَاطَنَةِ
لَا تَكْفِي النُّصُوصُ الدُّسْتُورِيَّةُ وَحْدَهَا لِبِنَاءِ دَوْلَةِ الـمُواطَنَةِ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحَوُّلٌ فِي البِنْيَةِ الـمَعْرِفِيَّةِ الَّتِي يَنْظُرُ مِنْ خِلَالِهَا الأَفْرَادُ وَالـجَمَاعَاتُ إِلَى بَعْضِهِمُ البَعْضِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الـمُواطَنَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صِفَةٍ قَانُونِيَّةٍ، بَلْ هِيَ — فِي جَوْهَرِهَا — شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الِاعْتِرَافِ الـمُتَبَادَلِ بِالتَّكَافُؤِ الإِنْسَانِيِّ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَعْمَلُ التَّنَاظُرُ الكَرَامِيُّ عَلَى نَقْلِ الـمُواطَنَةِ مِنْ كَوْنِهَا "تَرْتِيْبًا إِجْرَائِيًّا" إِلَى كَوْنِهَا "مِيثَاقًا أَخْلَاقِيًّا وَسِيَادِيًّا" يَقُومُ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ لِأَيِّ فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَنْ تَحْتَكِرَ الـمَجَالَ العَامَّ أَوْ تُعِيدَ تَوْزِيْعَ الحُقُوقِ بِمِعْيَارِ القُرْبِ الهُوِيَّاتِيِّ.
وَبِهَذَا الـمَعْنَى، فَإِنَّ الـمُواطَنَةَ فِي دَوْلَةِ الـمِيْثَاقِ لَا تُبْنَى عَلَى "التَّسَامُحِ" بَيْنَ الـجَمَاعَاتِ، بَلْ عَلَى الِاعْتِرَافِ الـمُتَبَادَلِ بِأَنَّ الجَمِيْعَ يَقِفُونَ عَلَى المَسَافَةِ الكَرَامِيَّةِ نَفْسِهَا أَمَامَ القَانُونِ وَالوَطَنِ وَالـمَصِيْرِ الـمُشْتَرَكِ.
3. مِنْ شَرْعِيَّةِ التَّغَلُّبِ إِلَى شَرْعِيَّةِ الِاعْتِرَافِ الـمُتَبَادَلِ
إِنَّ أَزْمَةَ الدَّوْلَةِ فِي اليَمَنِ لَيْسَتْ أَزْمَةَ قُدْرَةٍ عَلَى السَّيْطَرَةِ، بَلْ أَزْمَةَ قُدْرَةٍ عَلَى إِنْتَاجِ شَرْعِيَّةٍ يَرَى فِيْهَا الجَمِيْعُ أَنْفُسَهُمْ شُرَكَاءَ لَا تَوَابِعَ. وَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الشُّعُورُ بِالِاعْتِرَافِ الـمُتَبَادَلِ، فَإِنَّ أَيَّ سُلْطَةٍ سَتَبْقَى مُعَرَّضَةً لِلتَّآكُلِ وَالِانْفِجَارِ، حَتَّى وَإِنِ امْتَلَكَتْ أَدَوَاتِ القُوَّةِ وَالسِّلَاحِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ التَّنَاظُرَ الكَرَامِيَّ يُقَدِّمُ بَدِيْلًا جِذْرِيًّا عَنْ مَنْطِقِ التَّغَلُّبِ؛ إِذْ يَنْقُلُ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ كَوْنِهَا نَاتِجًا عَنْ "الْقَهْرِ" إِلَى كَوْنِهَا نَاتِجًا عَنْ "الِاعْتِرَافِ". فَلَا يَكُونُ الحُكْمُ مَشْرُوعًا لِأَنَّهُ الأَقْوَى، بَلْ لِأَنَّهُ الأَقْدَرُ عَلَى حِمَايَةِ التَّكَافُؤِ السِّيَادِيِّ بَيْنَ الـمُوَاطِنِيْنَ.
وَفِي هَذَا الإِطَارِ، تَتَحَوَّلُ الدَّوْلَةُ مِنْ أَدَاةٍ لِإِدَارَةِ التَّفَوُّقِ إِلَى مَجَالٍ لِحِمَايَةِ التَّكَافُؤِ، وَمِنْ سُلْطَةٍ تُعِيدُ إِنْتَاجَ الِانْقِسَامِ إِلَى مِيثَاقٍ يُعِيدُ إِنْتَاجَ الثِّقَةِ الوَطَنِيَّةِ.
4. التَّنَاظُرُ الكَرَامِيُّ بِوَصْفِهِ شَرْطًا لِإِمْكَانِ الـمُسْتَقْبَلِ
إِنَّ الـمُجْتَمَعَ الَّذِي يَفْقِدُ الإِيْمَانَ بِالتَّكَافُؤِ الإِنْسَانِيِّ يَفْقِدُ — ضِمْنِيًّا — القُدْرَةَ عَلَى بِنَاءِ مُسْتَقْبَلٍ مُشْتَرَكٍ؛ لِأَنَّ الـمُسْتَقْبَلَ لَا يُبْنَى بَيْنَ سَادَةٍ وَتَوَابِعَ، وَلَا بَيْنَ أَصْفِيَاءَ وَهَوَامِشَ، بَلْ بَيْنَ ذَوَاتٍ تَعْتَرِفُ لِبَعْضِهَا البَعْضِ بِالحَقِّ الـمُتَسَاوِي فِي الوُجُودِ وَالشَّرَاكَةِ وَالحُلْمِ الوَطَنِيِّ.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ التَّنَاظُرَ الكَرَامِيَّ لَا يُعَدُّ مُجَرَّدَ مَبْدَإٍ أَخْلَاقِيٍّ مُجَرَّدٍ، بَلْ هُوَ الشَّرْطُ الـمَعْرِفِيُّ وَالسِّيَاسِيُّ لِإِمْكَانِ قِيَامِ الدَّوْلَةِ نَفْسِهَا؛ ذَلِكَ أَنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي لَا تَعْتَرِفُ بِالتَّنَاظُرِ فِي الكَرَامَةِ سَتَبْقَى — وَإِنْ بَدَتْ مُتَمَاسِكَةً ظَاهِرِيًّا — مُجَرَّدَ بِنْيَةِ غَلَبَةٍ مُؤَجَّلَةِ الِانْفِجَارِ.
أَمَّا الدَّوْلَةُ الَّتِي تُؤَسِّسُ شَرْعِيَّتَهَا عَلَى التَّنَاظُرِ الكَرَامِيِّ، فَهِيَ وَحْدَهَا القَادِرَةُ عَلَى تَحْوِيْلِ التَّنَوُّعِ مِنْ مَصْدَرِ صِرَاعٍ إِلَى مَصْدَرِ إِثْرَاءٍ، وَعَلَى نَقْلِ اليَمَنِ مِنْ مَنْطِقِ الـجَمَاعَاتِ الـمُتَقَاتِلَةِ إِلَى أُفُقِ الوَطَنِ الـمُشْتَرَكِ الَّذِي يَتَّسِعُ لِلْجَمِيْعِ بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ.
رَابِعًا: مُمْكِنَاتُ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ
إِذَا كَانَتْ أَزْمَةُ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ قَدْ تَشَكَّلَتْ — كَمَا سَبَقَ — مِنْ خِلَالِ تَرَاكُمِ أَنْسَاقِ الِاسْتِلَابِ وَالغَلَبَةِ وَإِعَادَةِ إِنْتَاجِ الـمُجْتَمَعِ عَلَى أَسَاسِ التَّفَاوُتِ فِي الكَرَامَةِ وَالأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّ بِنَاءَ الدَّوْلَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخْتَزَلَ فِي مُجَرَّدِ تَرْتِيْبَاتٍ إِجْرَائِيَّةٍ أَوْ تَسْوِيَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ؛ ذَلِكَ أَنَّ الـمُشْكِلَةَ فِي جَوْهَرِهَا لَيْسَتْ أَزْمَةَ "سُلْطَةٍ" فَحَسْب، بَلْ أَزْمَةَ "رُؤْيَةٍ لِلإِنْسَانِ وَالوَطَنِ وَالشَّرْعِيَّةِ". وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ أَيَّ مَشْرُوعٍ لِإِعَادَةِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ يَظَلُّ مَرْهُونًا بِالقُدْرَةِ عَلَى إِنْتَاجِ مَنْظُومَةٍ جَدِيْدَةٍ تُعِيْدُ تَأْسِيْسَ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالسُّلْطَةِ وَالـمَجَالِ العَامِّ عَلَى قَاعِدَةِ الرُّشْدِ وَالتَّنَاظُرِ الكَرَامِيِّ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَبْرُزُ خَمْسُ مُمْكِنَاتٍ كُبْرَى يُمْكِنُ أَنْ تُشَكِّلَ — إِذَا مَا تَكَامَلَتْ — خَارِطَةَ الطَّرِيْقِ النَّظَرِيَّةَ وَالأَخْلَاقِيَّةَ لِإِعَادَةِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ.
1. الحُرِّيَّةُ الأَنْطُولُوجِيَّةُ: تَفْكِيْكُ بِنْيَةِ السَّيِّدِ وَالتَّابِعِ
لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ دَوْلَةٍ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَسَاسٍ مَدَنِيٍّ مَا لَمْ يَتَحَرَّرِ الإِنْسَانُ أَوَّلًا مِنْ بِنْيَةِ الِاسْتِعْبَادِ الرَّمْزِيِّ الَّتِي تُعِيدُ تَعْرِيْفَهُ بِوَصْفِهِ "تَابِعًا" لَا "ذَاتًا سِيَادِيَّةً". وَقَدْ أَنْتَجَتِ البِنْيَةُ التَّارِيْخِيَّةُ فِي اليَمَنِ أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الـخُضُوعِ؛ حَيْثُ جَرَى تَطْبِيْعُ الوَعْيِ الجَمْعِيِّ عَلَى فِكْرَةِ وُجُودِ فِئَاتٍ "مُؤَهَّلَةٍ بِالطَّبْعِ" لِلْوِصَايَةِ وَالحُكْمِ، فِي مُقَابِلِ أُخْرَى "مُؤَهَّلَةٍ بِالطَّبْعِ" لِلطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الحُرِّيَّةَ الأَنْطُولُوجِيَّةَ لَا تُشِيْرُ فَقَطْ إِلَى الحُرِّيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ بِمَعْنَاهَا الإِجْرَائِيِّ، بَلْ إِلَى تَحْرِيْرِ الإِنْسَانِ مِنَ البِنْيَةِ الـمَعْرِفِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُهُ يَقْبَلُ بِتَصْنِيْفِ نَفْسِهِ كَائِنًا نَاقِصَ الأَهْلِيَّةِ أَوْ مُجَرَّدَ أَدَاةٍ فِي مَشْرُوعِ الآخَرِ. وَبِهَذَا الـمَعْنَى، فَإِنَّ أَوَّلَ شُرُوطِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ يَتَمَثَّلُ فِي إِعَادَةِ إِنْتَاجِ الإِنْسَانِ اليَمَنِيِّ بِوَصْفِهِ "فَاعِلًا سِيَادِيًّا" يَمْتَلِكُ الحَقَّ الكَامِلَ فِي الشَّرَاكَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَالـمُسَاءَلَةِ، لَا رَعِيَّةً تُدَارُ بِمَنْطِقِ الوِصَايَةِ وَالـمِنَّةِ.
إِنَّ تَفْكِيْكَ وَهْمِ "السَّيِّدِ وَالـمَسُودِ" يُعَدُّ ــ فِي جَوْهَرِهِ ــ تَفْكِيْكَ الْأَسَاسِ الرَّمْزِيِّ لِلِاسْتِبْدَادِ نَفْسِهِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الطُّغْيَانَ لَا يَعِيْشُ بِالسِّلَاحِ وَحْدَهُ، بَلْ بِقَابِلِيَّةِ الـمُسْتَلَبِيْنَ لِتَصْدِيْقِ شَرْعِيَّتِهِ.
2. العَقْدُ السِّيَادِيُّ: مِنْ دَوْلَةِ الغَلَبَةِ إِلَى دَوْلَةِ الـمِيْثَاقِ
إِنَّ التَّارِيْخَ السِّيَاسِيَّ اليَمَنِيَّ قَدْ تَشَكَّلَ — فِي جُزْءٍ كَبِيْرٍ مِنْهُ — عَلَى مَنْطِقِ الغَلَبَةِ؛ حَيْثُ كَانَتِ القُوَّةُ تَسْبِقُ الشَّرْعِيَّةَ، وَكَانَ السِّلَاحُ يُنْتِجُ السُّلْطَةَ، ثُمَّ تُصَاغُ الأَسَانِيْدُ الرَّمْزِيَّةُ وَالدِّيْنِيَّةُ وَالـمَنَاطِقِيَّةُ لِتَبْرِيْرِهَا لَاحِقًا. وَفِي ظِلِّ هَذَا الـمَنْطِقِ، لَمْ تَكُنِ الدَّوْلَةُ تَعْبِيْرًا عَنْ إِرَادَةٍ وَطَنِيَّةٍ جَامِعَةٍ، بَلْ أَدَاةً لِإِدَارَةِ التَّفَوُّقِ وَإِعَادَةِ تَوْزِيْعِ الهَيْمَنَةِ.
غَيْرَ أَنَّ الدَّوْلَةَ الـمُسْتَقِرَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُبْنَى عَلَى تَوَازُنَاتِ الرُّعْبِ، بَلْ عَلَى "عَقْدٍ سِيَادِيٍّ" يَعْتَرِفُ فِيْهِ الجَمِيْعُ بِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ مُتَكَافِئُونَ فِي الوَطَنِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَالـمَصِيْرِ. وَبِهَذَا الـمَعْنَى، يَتَحَوَّلُ الـمِيثَاقُ مِنْ مُجَرَّدِ وَثِيْقَةٍ سِيَاسِيَّةٍ إِلَى بِنْيَةِ اعْتِرَافٍ مُتَبَادَلٍ تَنْقُلُ العَلَاقَةَ بَيْنَ الـجَمَاعَاتِ مِنْ مَنْطِقِ الصِّرَاعِ عَلَى الامْتِيَازِ إِلَى مَنْطِقِ الشَّرَاكَةِ فِي حِمَايَةِ الـمَجَالِ الوَطَنِيِّ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مُمْكِنَ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ فِي اليَمَنِ يَبْدَأُ مِنَ الِانْتِقَالِ مِنْ "شَرْعِيَّةِ التَّغَلُّبِ" إِلَى "شَرْعِيَّةِ التَّوَافُقِ السِّيَادِيِّ"، وَمِنْ فِكْرَةِ "الـمُنْتَصِرِ" إِلَى فِكْرَةِ "الشَّرِيْكِ".
3. تَحْرِيْرُ الـمَجَالِ الدِّيْنِيِّ: اِسْتِرْدَادُ الـمُقَدَّسِ مِنَ التَّوْظِيْفِ السِّيَاسِيِّ
لَقَدْ مَثَّلَ التَّوْظِيْفُ السِّيَاسِيُّ لِلدِّيْنِ أَحَدَ أَخْطَرِ أَدَوَاتِ إِعَادَةِ إِنْتَاجِ الِاسْتِلَابِ فِي الوَاقِعِ اليَمَنِيِّ؛ ذَلِكَ أَنَّ تَحْوِيْلَ الـمُقَدَّسِ إِلَى أَدَاةِ اِسْقَاطٍ أَيْدِيُولُوجِيٍّ يُفْضِي إِلَى تَحْصِيْنِ الصِّرَاعِ وَمَنْحِهِ طَابَعًا مَا وَرَائِيًّا يُعَطِّلُ إِمْكَانَ النَّقْدِ وَالـمُرَاجَعَةِ وَالـمُسَاءَلَةِ.
وَحِيْنَ تُقَدَّمُ الـمَعَارِكُ السِّيَاسِيَّةُ بِوَصْفِهَا "مَعَارِكَ مُقَدَّسَةً"، يَتَحَوَّلُ الـمُخَالِفُ مِنْ خَصْمٍ سِيَاسِيٍّ إِلَى "خَارِجٍ عَنِ الحَقِّ"، وَتَتَحَوَّلُ الدَّوْلَةُ مِنْ فَضَاءٍ لِلتَّعَايُشِ إِلَى سَاحَةِ اِصْطِفَاءٍ عَقَائِدِيٍّ.
لِهَذَا، فَإِنَّ تَحْرِيْرَ الـمَجَالِ الدِّيْنِيِّ لَا يَعْنِي إِقْصَاءَ الدِّيْنِ عَنِ الحَيَاةِ العَامَّةِ، بَلْ حِمَايَتَهُ مِنَ الِابْتِذَالِ السِّيَاسِيِّ وَالتَّحْوِيْلِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ. فَالدِّينُ ــ فِي جَوْهَرِهِ ــ مَجَالٌ لِلتَّزْكِيَةِ وَالتَّهْذِيْبِ وَإِنْتَاجِ القِيَمِ، لَا أَدَاةٌ لِإِضْفَاءِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى العُنْفِ وَالِاحْتِكَارِ وَالِاسْتِبْدَادِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ بِنَاءَ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ يَقْتَضِي إِعَادَةَ الـمَجَالِ الدِّيْنِيِّ إِلَى وَظِيْفَتِهِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ، وَتَجْرِيْمَ تَحْوِيْلِهِ إِلَى أَدَاةٍ لِلتَّحْشِيْدِ الطَّائِفِيِّ أَوِ الِاسْتِقْوَاءِ السِّيَاسِيِّ.
4. الأَنْسَنَةُ وَالقِسْطُ: تَفْكِيْكُ جُغْرَافْيَا الكَرَاهِيَةِ
إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا أَنْتَجَتْهُ الحُرُوبُ وَالصِّرَاعَاتُ فِي اليَمَنِ تَحَوُّلُ الـجُغْرَافْيَا إِلَى هُوِيَّاتٍ قِتَالِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ؛ حَيْثُ جَرَى تَحْمِيْلُ الـمَنَاطِقِ وَالـمُدُنِ وَالـجَمَاعَاتِ شُحْنَاتٍ رَمْزِيَّةً مِنَ التَّخْوِيْنِ وَالتَّشْيِيْطِنِ وَالِارْتِيَابِ الـمُتَبَادَلِ، بِمَا حَوَّلَ الـمُجْتَمَعَ إِلَى فَضَاءٍ مُمَزَّقٍ تَتَآكَلُهُ الـمَخَاوِفُ التَّارِيْخِيَّةُ وَالسَّرْدِيَّاتُ الِانْتِقَامِيَّةُ.
وَفِي مُقَابِلِ هَذِهِ البِنْيَةِ، تَطْرَحُ الأَنْسَنَةُ وَالقِسْطُ نَمَطًا جَدِيْدًا مِنَ العَلَاقَةِ الوَطَنِيَّةِ يَقُومُ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِالإِنْسَانِ قَبْلَ الهُوِيَّةِ، وَبِالحَقِّ قَبْلَ الِانْتِمَاءِ، وَبِالـمُوَاطَنَةِ قَبْلَ الـجُغْرَافْيَا.
إِنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي تُرِيْدُ أَنْ تَبْقَى لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَادِرَةً عَلَى حِمَايَةِ أَفْرَادِهَا مِنَ الِاسْتِبْعَادِ الرَّمْزِيِّ بِالقَدْرِ نَفْسِهِ الَّذِي تَحْمِيْهِمْ فِيْهِ مِنَ العُنْفِ الـمَادِّيِّ؛ ذَلِكَ أَنَّ الحُرُوبَ تَبْدَأُ ــ فِي الغَالِبِ ــ مِنَ اللُّغَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى السِّلَاحِ.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ بِنَاءَ السَّلَامِ فِي اليَمَنِ يَقْتَضِي تَفْكِيْكَ "خِطَابِ الكَرَاهِيَةِ الـمَكَانِيَّةِ"، وَإِعَادَةَ تَأْسِيْسِ الوَعْيِ الوَطَنِيِّ عَلَى فِكْرَةِ أَنَّ اليَمَنَ فَضَاءٌ مُشْتَرَكٌ لِلْجَمِيْعِ، لَا مِلْكِيَّةٌ رَمْزِيَّةٌ لِجَمَاعَةٍ دُونَ أُخْرَى.
5. العُمْرَانُ وَالعَدَالَةُ: مِنِ اقْتِصَادِ الحَرْبِ إِلَى اقْتِصَادِ الحَيَاةِ
لَا تَسْتَقِرُّ الدُّوَلُ بِالخِطَابَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ بِالقُدْرَةِ عَلَى تَحْوِيْلِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ إِلَى شُرُوطٍ مَادِّيَّةٍ لِلْعَيْشِ وَالأَمَانِ وَالإِنْتَاجِ. وَقَدْ أَفْرَزَ الصِّرَاعُ اليَمَنِيُّ بِنْيَةً اقْتِصَادِيَّةً مُشَوَّهَةً قَائِمَةً عَلَى "اقْتِصَادِ الحَرْبِ"؛ حَيْثُ تَحَوَّلَ الدَّمَارُ إِلَى مَصْدَرِ رِبْحٍ، وَأَصْبَحَ اِسْتِمْرَارُ الفَوْضَى شَرْطًا لِبَقَاءِ شَبَكَاتِ النُّفُوذِ وَالِاسْتِفَادَةِ.
وَفِي ظِلِّ هَذَا الوَضْعِ، يَغْدُو الإِنْسَانُ مُحَاصَرًا بَيْنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَالِانْهِيارِ الخِدْمِيِّ، فَتَتَآكَلُ قُدْرَتُهُ عَلَى الـمُشَارَكَةِ فِي بِنَاءِ الحَيَاةِ العَامَّةِ، وَيَتَحَوَّلُ إِلَى مُجَرَّدِ كَائِنٍ يُكَافِحُ مِنْ أَجْلِ البَقَاءِ.
لِهَذَا، فَإِنَّ بِنَاءَ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ يَبْدَأُ مِنْ إِعَادَةِ الِاعْتِبَارِ لِفِكْرَةِ "العُمْرَانِ" بِوَصْفِهِ غَايَةَ السِّيَاسَةِ لَا هَامِشَهَا؛ أَيْ بِوَصْفِهِ مَشْرُوعًا لِتَحْرِيْرِ الإِنْسَانِ مِنَ الفَقْرِ وَالخَوْفِ وَالِانْهِيارِ، وَتَوْفِيْرِ الشُّرُوطِ الَّتِي تَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى الإِسْهَامِ فِي إِنْتَاجِ الجَمَالِ وَالـمَعْرِفَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ.
وَبِهَذَا الـمَعْنَى، فَإِنَّ العَدَالَةَ لَا تَعْنِي مُجَرَّدَ إِعَادَةِ تَوْزِيْعِ الثَّرْوَةِ، بَلْ إِعَادَةَ تَوْزِيْعِ "إِمْكَانِ الحَيَاةِ" نَفْسِهِ؛ أَيْ ضَمَانَ أَلَّا يَبْقَى اليَمَنِيُّ مُعَلَّقًا بَيْنَ مَجَاعَةِ الحَرْبِ وَهَوَامِشِ النِّسْيَانِ، بَلْ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ ضَحِيَّةٍ لِلصِّرَاعِ إِلَى شَرِيْكٍ فِي صِيَاغَةِ مُسْتَقْبَلِهِ وَمُسْتَقْبَلِ وَطَنِهِ.
خَامِسًا: مِنَ اليَمَنِ الـمُتَنَازَعِ إِلَى اليَمَنِ الـمُمْكِنِ
لَقَدْ أَنْتَجَتِ الحُرُوبُ الـمُتَعَاقِبَةُ فِي اليَمَنِ صُورَةً مُشَوَّهَةً عَنِ الوَطَنِ؛ حَيْثُ غَدَا اليَمَنُ ــ فِي وَعْيِ كَثِيْرٍ مِنَ الفَاعِلِيْنَ ــ مُجَرَّدَ "غَنِيْمَةٍ جِيُوسِيَاسِيَّةٍ" أَوْ "سَاحَةِ نُفُوذٍ" أَوْ "خَارِطَةِ اِصْطِفَاءَاتٍ" تَتَنَازَعُهَا الأَيْدِيُولُوجِيَاتُ وَالعَصَبِيَّاتُ وَالـمَشَارِيْعُ الـمُتَصَادِمَةُ. وَفِي خِضَمِّ هَذَا التَّشَظِّي، تَرَاجَعَ الـمَعْنَى الوَطَنِيُّ الـجَامِعُ، وَتَآكَلَتِ الثِّقَةُ بَيْنَ الـمُكَوِّنَاتِ، وَأَصْبَحَ الإِنْسَانُ اليَمَنِيُّ يَعِيْشُ دَاخِلَ حَالَةٍ مِنَ الِارْتِيَابِ الـمُتَبَادَلِ وَالخَوْفِ الـمُزْمِنِ وَالِانْكِفَاءِ عَلَى الهُوِيَّاتِ الصَّغِيْرَةِ.
غَيْرَ أَنَّ أَخْطَرَ مَا فِي هَذَا الوَضْعِ لَيْسَ هُوَ الدَّمَارُ الـمَادِّيُّ فَحَسْب، بَلْ اِعْتِيَادُ الوَعْيِ الجَمْعِيِّ عَلَى فِكْرَةِ أَنَّ الصِّرَاعَ قَدَرٌ أَبَدِيٌّ، وَأَنَّ اليَمَنَ عَاجِزٌ بِالبِنْيَةِ عَنْ إِنْتَاجِ دَوْلَةٍ تَتَّسِعُ لِلْجَمِيْعِ. وَهُنَا تَكْمُنُ ضَرُورَةُ الِانْتِقَالِ مِنْ "اليَمَنِ الـمُتَنَازَعِ" إِلَى "اليَمَنِ الـمُمْكِنِ"؛ أَيْ مِنْ وَعْيٍ يَرَى الوَطَنَ سَاحَةً لِإِعَادَةِ إِنْتَاجِ الـمَاضِي، إِلَى وَعْيٍ يَرَاهُ أُفُقًا مَفْتُوحًا لِإِنْتَاجِ الـمُسْتَقْبَلِ.
إِنَّ "اليَمَنَ الـمُمْكِنَ" لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى عَلَى مَنْطِقِ الإِلْغَاءِ أَوِ الاِجْتِثَاثِ أَوِ اِحْتِكَارِ الـحَقِيْقَةِ الوَطَنِيَّةِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الدُّوَلَ لَا تَنْهَضُ بِتَحْطِيْمِ تَنَوُّعِهَا، بَلْ بِالقُدْرَةِ عَلَى تَحْوِيْلِ هَذَا التَّنَوُّعِ إِلَى صِيْغَةِ تَعَايُشٍ وَشَرَاكَةٍ وَاعْتِرَافٍ مُتَبَادَلٍ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الرِّهَانَ الـحَقِيْقِيَّ لَا يَتَمَثَّلُ فِي مَنْ يَنْتَصِرُ فِي الـمَعْرَكَةِ، بَلْ فِي مَنْ يَنْجَحُ فِي إِنْتَاجِ فِكْرَةٍ جَدِيْدَةٍ لِلْوَطَنِ تَتَجَاوَزُ بِنْيَةَ الغَلَبَةِ وَالِاسْتِلَابِ وَالِاصْطِفَاءِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَبْدُو أَنَّ الـمُهِمَّةَ الأَكْثَرَ إِلْحَاحًا أَمَامَ النُّخَبِ اليَمَنِيَّةِ لَيْسَتْ فَقَطْ وَقْفَ الحَرْبِ، بَلْ إِعَادَةَ بِنَاءِ الـمُخَيِّلَةِ الوَطَنِيَّةِ نَفْسِهَا؛ أَيْ إِعَادَةَ تَأْسِيْسِ فِكْرَةِ اليَمَنِ عَلَى قَاعِدَةِ "التَّنَاظُرِ الكَرَامِيِّ" وَ"الشَّرَاكَةِ السِّيَادِيَّةِ"، لَا عَلَى أَسَاسِ التَّفَوُّقِ الهُوِيَّاتِيِّ أَوِ الِاحْتِكَارِ الرَّمْزِيِّ لِلْوَطَنِ وَالتَّارِيْخِ وَالـمُقَدَّسِ.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ اليَمَنَ الـمُمْكِنَ لَا يُمَثِّلُ مُجَرَّدَ حُلْمٍ، بَلْ إِمْكَانًا تَارِيْخِيًّا مَشْرُوطًا بِالقُدْرَةِ عَلَى تَفْكِيْكِ البِنْيَاتِ الَّتِي أَنْتَجَتِ الِاسْتِلَابَ وَإِعَادَةِ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ عَلَى أَسَاسِ الإِنْسَانِ لَا العَصَبِيَّةِ، وَالـمِيثَاقِ لَا الغَلَبَةِ، وَالعُمْرَانِ لَا الاقْتِتَالِ.
خَاتِمَةٌ: نَحْوَ اِسْتِرْدَادِ الإِنْسَانِ وَالدَّوْلَةِ مَعًا
تَسْعَى هَذِهِ الوَرَقَةُ إِلَى تَجَاوُزِ القِرَاءَاتِ الَّتِي تَخْتَزِلُ أَزْمَةَ اليَمَنِ فِي كَوْنِهَا صِرَاعًا عَلَى السُّلْطَةِ أَوِ الـمَوَارِدِ، مُقْتَرِحَةً أَنَّ جَوْهَرَ الأَزْمَةِ يَكْمُنُ فِي بِنْيَةِ "الِاسْتِلَابِ" الَّتِي أَعَادَتْ إِنْتَاجَ الإِنْسَانِ اليَمَنِيِّ بِوَصْفِهِ كَائِنًا مَسْلُوبَ السِّيَادَةِ، وَأَعَادَتْ إِنْتَاجَ الدَّوْلَةِ بِوَصْفِهَا أَدَاةً لِإِدَارَةِ الغَلَبَةِ لَا فَضَاءً لِلشَّرَاكَةِ الوَطَنِيَّةِ.
وَقَدْ بَيَّنَتِ الوَرَقَةُ أَنَّ أَنْسَاقَ الِاسْتِلَابِ السُّلالِيِّ وَالقَبَلِيِّ وَالحِزْبِيِّ وَالـمَنَاطِقِيِّ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ ظَوَاهِرَ مُتَفَرِّقَةٍ، بَلْ تَجَلِّيَاتٍ مُخْتَلِفَةً لِبِنْيَةٍ وَاحِدَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى إِعَادَةِ تَوْزِيْعِ الكَرَامَةِ وَالأَهْلِيَّةِ وَالـحَقِّ فِي الحُكْمِ بِمِعْيَارِ الهُوِيَّةِ لَا بِمِعْيَارِ الإِنْسَانِ وَالـمِيثَاقِ. وَهُوَ مَا أَفْضَى ــ فِي الـمُحَصِّلَةِ ــ إِلَى إِنْتَاجِ دَوْلَةٍ هَشَّةٍ مُعَرَّضَةٍ دَوْمًا لِلِانْقِسَامِ وَالِانْفِجَارِ.
وَفِي مُقَابِلِ ذَلِكَ، طَرَحَتِ الوَرَقَةُ "التَّنَاظُرَ الكَرَامِيَّ" بِوَصْفِهِ أُفُقًا نَظَرِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا لِإِعَادَةِ تَأْسِيْسِ الشَّرْعِيَّةِ، انْطِلَاقًا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالإِنْسَانِ كَقِيْمَةٍ أَصِيْلَةٍ لَا تَسْتَمِدُّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مِنَ النَّسَبِ أَوِ الطَّائِفَةِ أَوِ الـجُغْرَافْيَا، بَلْ مِنْ كَوْنِهِ إِنْسَانًا مُكَرَّمًا يَمْتَلِكُ الحَقَّ الـمُتَسَاوِي فِي الشَّرَاكَةِ وَالـمُوَاطَنَةِ وَالـمَصِيْرِ الوَطَنِيِّ الـمُشْتَرَكِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، خَلُصَتِ الوَرَقَةُ إِلَى أَنَّ بِنَاءَ الدَّوْلَةِ اليَمَنِيَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ خِلَالِ تَسْوِيَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ فَحَسْب، بَلْ يَتَطَلَّبُ إِعَادَةَ بِنَاءِ الإِنْسَانِ وَالوَعْيِ وَالـمَجَالِ العَامِّ عَلَى أَسَاسِ الحُرِّيَّةِ الأَنْطُولُوجِيَّةِ، وَالعَقْدِ السِّيَادِيِّ، وَتَحْرِيْرِ الـمُقَدَّسِ مِنَ التَّوْظِيْفِ السِّيَاسِيِّ، وَتَفْكِيْكِ خِطَابَاتِ الكَرَاهِيَةِ، وَإِعَادَةِ الِاعْتِبَارِ لِلعُمْرَانِ وَالعَدَالَةِ بِوَصْفِهِمَا الغَايَةَ النَّهَائِيَّةَ لِلسِّيَاسَةِ.
إِنَّ اِسْتِرْدَادَ الدَّوْلَةِ فِي اليَمَنِ يَبْقَى مَرْهُونًا بِاسْتِرْدَادِ الإِنْسَانِ أَوَّلًا؛ ذَلِكَ أَنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي تُبْنَى عَلَى إِنْسَانٍ مُسْتَلَبٍ سَتَبْقَى ــ بِالضَّرُورَةِ ــ دَوْلَةً مُسْتَلَبَةً، أَمَّا الدَّوْلَةُ الَّتِي تُؤَسَّسُ عَلَى إِنْسَانٍ حُرٍّ مُتَنَاظِرِ الكَرَامَةِ، فَهِيَ وَحْدَهَا القَادِرَةُ عَلَى تَحْوِيْلِ اليَمَنِ مِنْ فَضَاءِ صِرَاعٍ مُزْمِنٍ إِلَى أُفُقِ وَطَنٍ مُمْكِنٍ يَتَّسِعُ لِلْجَمِيْعِ.