29 مارس 2026 تحميل ملف pdf
مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية
مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية

الأحزاب اليمنية: الواجب والخفوت !

* صلاح الواسعي

 

مقدمة

تُعدّ الأحزاب السياسية في النظم الديمقراطية الحديثة من الركائز الأساسية التي يقوم عليها العمل السياسي المؤسسي، إذ تمثل إحدى أهم الأدوات التي تنظّم التنافس على السلطة وتؤطر المشاركة السياسية للمواطنين. وقد انشغل الفكر السياسي المعاصر طويلاً بالنقاش حول موقع الأحزاب في الديمقراطية الحديثة، بين من يرى فيها أداة ضرورية لتنظيم الإرادة الشعبية، ومن يحذر من مخاطر تحوّلها إلى مؤسسات احتكارية للتمثيل السياسي. ومع ذلك، فإن أغلب الأدبيات السياسية تكاد تجمع على أنه، رغم ما يعتري التجربة الحزبية من اختلالات، لم يتم التوصل حتى الآن إلى بديل أكثر فاعلية لتنظيم التنافس السياسي وتعزيز المصلحة الوطنية من النظام الحزبي. وفي هذا السياق يشير عبدالرزاق حسن إلى أن "الفكر السياسي المعاصر قد اختلف حول مدى ضرورة الأحزاب للديمقراطية أو خطورتها عليها، إلا أنه لم يجد إلى الآن وسيلة للتنافس السياسي ولتعزيز المصلحة الوطنية أفضل من الأحزاب[1]. وعلى الرغم من انتشار بعض الخطابات النقدية التي تستهدف فكرة الأحزاب السياسية ذاتها، فإن هذا النقد غالبًا ما يغفل التمييز بين النقد الموجَّه إلى الممارسة الحزبية وسلوك الفاعلين السياسيين من جهة، وبين النقد الموجَّه إلى المؤسسة الحزبية بوصفها جزءًا بنيويًا من النظام الديمقراطي من جهة أخرى. ذلك أن التجارب المقارنة تشير بوضوح إلى أن إلغاء الأحزاب أو إضعافها لا يؤدي إلى تعزيز الديمقراطية، بل إلى إفراغ المجال العام من أدوات التنظيم السياسي، وهو ما يقود غالبًا إلى صعود أنماط أخرى من التنظيمات غير المؤسسية. ومن هنا يذهب عدد من الباحثين إلى أن "من الوهم تصور تطور ديمقراطية بدون أحزاب، فالأحزاب السياسية عنصر من عناصر النظام الديمقراطي ومؤسسة من مؤسساته." إذ إن ترك المجال السياسي للأفراد دون أطر تنظيمية يجعل الحياة الديمقراطية مستحيلة عمليًا، خاصة في المجتمعات الكبيرة والمعقدة التي لم يعد نموذج "الديمقراطية المباشرة" فيها قابلًا للتطبيق.

في هذا الإطار، تهدف هذه الورقة إلى تحليل تجربة الأحزاب السياسية في اليمن منذ إقرار التعددية الحزبية عقب قيام الوحدة اليمنية عام 1990، مع التركيز على الفجوة القائمة بين الدور المفترض للأحزاب السياسية في بناء النظام الديمقراطي وبين أدائها الفعلي في الواقع السياسي اليمني. كما تسعى الورقة إلى تحليل الإخفاقات البنيوية والتنظيمية والسياسية التي واجهت الأحزاب اليمنية خلال مسار التحول السياسي، خاصة في ظل الأزمات المتراكمة التي شهدتها البلاد وصولًا إلى الحرب الشاملة.

وتسعى الورقة كذلك إلى تقديم جردة حساب نقدية للتجربة الحزبية اليمنية، من خلال طرح تساؤلات مركزية حول مدى استمرار الأحزاب السياسية في تمثيل تطلعات المجتمع اليمني، أو ما إذا كانت قد تحولت تدريجيًا إلى كيانات نخبوية معزولة عن المجال الاجتماعي، لا تمثل سوى مصالح دوائر ضيقة من النخب السياسية. وفي ضوء ذلك تطرح الورقة تساؤلًا أكثر جوهرية يتمثل في: هل ما تزال الأحزاب السياسية في اليمن فاعلًا سياسيًا قادرًا على التعبير عن تطلعات المجتمع، أم أن الحاجة باتت ملحّة لظهور كيانات سياسية جديدة تعكس بصورة أكثر واقعية تحولات المجتمع اليمني ومطالبه؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، تستعرض الورقة تطور التجربة الحزبية في اليمن منذ عام 1990، بوصفه العام الذي شهد الانتقال الرسمي إلى التعددية السياسية، مرورًا بمراحل التحول الديمقراطي المتعثر، وصولًا إلى مرحلة انهيار الدولة وتفكك المجال السياسي خلال سنوات الحرب.

 

أولا: الإطار المفاهيمي والنظري.

١- مفهوم الحزب السياسي

تتعدد تعريفات الحزب السياسي في الأدبيات السياسية تبعًا لاختلاف المدارس الفكرية والمنهجية. فبينما تنظر المدرسة الماركسية إلى الأحزاب بوصفها أدوات للصراع الطبقي وتمثيل مصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة، تميل المدرسة الليبرالية إلى تعريفها باعتبارها مؤسسات تنظيمية تسعى إلى تجميع المصالح الاجتماعية المتنوعة وتمثيلها داخل النظام السياسي.

ووفقًا لموسوعة بريتانيكا، فإن الأحزاب السياسية هي "جماعة منظمة من الأفراد تهدف إلى اكتساب وممارسة السلطة السياسية[2]. أما المفكر الفرنسي جورج بيردو فيعرّف الحزب السياسي بأنه "كل تجمع بين أفراد يؤمنون ببعض الأفكار السياسية، ويعملون على نصرتها وتحقيقها، وذلك بجمع أكبر عدد من المواطنين حولها، والسعي للوصول إلى السلطة، أو على الأقل التأثير في قرارات السلطة الحاكمة[3]. وبغض النظر عن اختلاف التعريفات، فإن الأدبيات السياسية تكاد تجمع على أن الأحزاب السياسية تؤدي مجموعة من الوظائف المركزية داخل المجتمعات الحديثة، سواء كانت هذه الأحزاب في موقع السلطة أو في موقع المعارضة. ومن أبرز هذه الوظائف: تكوين الاتجاهات الفكرية والسياسية في المجتمع، والمساهمة في تشكيل الرأي العام من خلال نشر الوعي السياسي بين المواطنين، والعمل على بلورة توازن بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة، بما يتيح للمواطنين اتخاذ قرارات سياسية أكثر وعيًا في العملية الانتخابية.

كما تؤدي الأحزاب دورًا مهمًا في تنظيم التعبير عن مطالب المجتمع وتجميعها ضمن برامج سياسية قابلة للتداول والمنافسة، إذ إن غياب قنوات التعبير السياسي المنظم قد يدفع الأفراد إلى البحث عن وسائل أخرى للتعبير عن مطالبهم، بما في ذلك العنف السياسي. وتؤدي الأحزاب كذلك وظيفة إعداد الكوادر السياسية القادرة على إدارة الدولة[4]، خاصة في مراحل التحول السياسي والانتقال الديمقراطي، حيث تصبح الأحزاب بمثابة مدارس سياسية لتدريب القيادات وصياغة البرامج العامة.

إلى جانب ذلك، يضطلع النظام الحزبي بدور رقابي على أداء السلطة التنفيذية، إذ تسعى الأحزاب المعارضة إلى كشف أخطاء الحكومة ومساءلتها، بما يسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة داخل النظام السياسي. كما تمثل الأحزاب وسيلة لتنظيم المشاركة السياسية للمواطنين، وتسهيل التواصل بين الحاكم والمحكوم، الأمر الذي يعزز الاستقرار السياسي من خلال ترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة.

وفي السياقات التي تتعرض فيها الدولة للضعف أو الانهيار، تكتسب الأحزاب السياسية أهمية مضاعفة، إذ يفترض بها أن تمثل القوى القادرة على إعادة تنظيم المجال السياسي، وإعادة رسم المسار الوطني، والعمل على إنجاز مشروع الدولة الوطنية وصون الهوية الجامعة من التفتت. وفي مثل هذه الظروف تصبح الأحزاب، نظريًا على الأقل، أحد أهم الفاعلين القادرين على مواجهة مشاريع التمزيق والانقسام، والعمل على استعادة الإطار الوطني الجامع.

 

ثانيا: حاجة المجتمع اليمني للأحزاب في ظل التنوع الاجتماعي

تشير إحدى الدراسات إلى أن التحول نحو التعددية السياسية والحزبية في اليمن منذ عام 1990 جاء في سياق بنية اجتماعية تقليدية تتسم بسيطرة الولاءات القبلية والمناطقية، إضافة إلى ترسخ تصور للسلطة بوصفها مصدرًا للثروة والوجاهة الاجتماعية. وقد تزامن ذلك مع إرث طويل من القمع السياسي والفكري خلال فترات الحكم السابقة، الأمر الذي حال دون ترسيخ ثقافة التعددية والديمقراطية في البنية المجتمعية بصورة عميقة.

ومع ذلك، فإن الحاجة إلى التعددية السياسية ظلت قائمة باعتبارها آلية حديثة لإدارة الصراع السياسي سلميًا، وتوفير إطار مؤسسي لتحقيق التوافق الوطني بين القوى المختلفة. وفي ظل تصاعد الصراعات السياسية وتحولها في بعض المراحل إلى مواجهات عسكرية، تبرز الأحزاب السياسية باعتبارها أحد أهم الأدوات القادرة على إعادة بناء المجال العام، وتحقيق الاندماج الوطني، وتحويل التنافس السياسي من صراع تقليدي قائم على العصبيات إلى تنافس قائم على البرامج السياسية ومشروعات التحديث[5].

 

وفي السياق نفسه، تؤكد الأدبيات المقارنة في علم السياسة أن المجتمعات المتعددة إثنيًا أو طائفيًا أو مناطقيًا تحتاج إلى مؤسسات حزبية قوية قادرة على تحويل الانقسامات الاجتماعية الأولية إلى تنافس سياسي منظم. ففي دراسته الكلاسيكية حول الديمقراطية التوافقية، يبيّن عالم السياسة الهولندي Arend Lijphart أن المجتمعات المنقسمة لا يمكن أن تحقق استقرارًا سياسيًا إلا إذا أُديرت تعدديتها عبر أطر مؤسسية قادرة على تمثيل مختلف المكونات الاجتماعية. وفي مقدمة هذه الأطر تأتي الأحزاب السياسية التي تعمل كقنوات للتفاوض والتمثيل بين المكونات المختلفة، بدلًا من أن تتحول الانقسامات الاجتماعية إلى صراعات صفرية تهدد وحدة الدولة. كذلك، يرى ليبهارت أن الأحزاب السياسية في مثل هذه السياقات لا تمثل مجرد أدوات انتخابية، بل تشكل آليات لإنتاج التسويات السياسية وبناء الثقة المتبادلة داخل النظام السياسي[6].

بناءً على ماسبق، فإنه يمكننا القول بأن غياب الأحزاب السياسية أو ضعفها لا يؤدي إلى اختفاء التعدد الاجتماعي، بل يؤدي إلى تحوله إلى تعبيرات غير مؤسسية وما قبل دولتية، مثل العصبيات القبلية أو المذهبية أو المناطقية، وهي تعبيرات تفتقر إلى قواعد المنافسة السياسية المنظمة وإلى البرامج السياسية الواضحة. ومن ثمّ فإن تطوير الأحزاب السياسية اليمنية وتعزيز قدرتها التنظيمية والفكرية يمثل شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الدولة الوطنية على أساس المواطنة، وتحويل التنوع الاجتماعي من مصدر للصراع إلى مصدر للثراء السياسي.

 

ثالثا: إخفاقات الأحزاب السياسية في اليمن.

يشير تاريخ التجربة الحزبية في اليمن منذ إقرار التعددية السياسية عام 1990 إلى وجود فجوة عميقة بين الدور المفترض للأحزاب في بناء النظام الديمقراطي وبين الأداء الفعلي الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى إضعاف المجال السياسي بدلًا من تطويره. فقد وجدت الأحزاب نفسها أمام تحولات سياسية كبرى — من الوحدة، إلى حرب 1994، إلى ثورة 2011، وصولًا إلى حرب 2015 — دون أن تتمكن من لعب الدور المفترض منها في إدارة الصراع سياسيًا أو في إنتاج بدائل وطنية قادرة على حماية الدولة والمجتمع من الانزلاق إلى العنف. وفي توصيف مبكر لطبيعة الأحزاب في المجتمعات المتخلفة، كتب الشاعر والمفكر اليمني عبدالله البردوني عبارة أصبحت أشبه بمفتاح تفسيري لهذه الظاهرة، إذ يقول: "إن أحزاب الواقع المتخلف وفيرة التخلف، لأنها ليست من إمطار السماء وإنما هي نبت هذه الأرض[7]. وهي عبارة تختزل العلاقة العضوية بين الأحزاب السياسية وبنية المجتمع الذي تنشأ فيه؛ فالأحزاب لا تنفصل عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي يفرزها، بل تعكس في كثير من الأحيان تناقضاته وحدوده التاريخية.

عند القيام بعملية التقييم لتجربة الأحزاب السياسية في اليمن منذ إقرار التعددية الحزبية عام 1990 نجد بأنه ثمة مفارقة أساسية بين الدور النظري المنوط بالأحزاب السياسية في بناء النظام الديمقراطي وبين الأداء الفعلي الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى إضعاف المجال السياسي بدلًا من تطويره. فعلى الرغم من أن التعددية الحزبية شكلت أحد أهم التحولات السياسية في تاريخ اليمن الحديث، فإن التجربة الحزبية لم تنجح في ترسيخ مؤسسات سياسية مستقرة أو في إنتاج نظام سياسي قادر على إدارة التعدد الاجتماعي والسياسي بصورة سلمية ومستدامة.

تشير العديد من الدراسات إلى أن التنظيمات المتطرفة المسلحة والأحداث المفصلية التي شهدها اليمن — من ثورة 2011 إلى حرب 2015 — كشفت بوضوح محدودية قدرة الأحزاب السياسية على إدارة الأزمات أو الحد من تداعياتها. فقد عجزت هذه الأحزاب عن اتخاذ مواقف واضحة تجاه التحولات العنيفة التي شهدتها البلاد، كما لم تتمكن من تقديم مبادرات سياسية قادرة على احتواء الصراع أو حماية النسيج الاجتماعي. وبحسب هذه االدراسات، فإن الأحزاب في كثير من الأحيان حضرت كضيف الحفلة أو المأدبة، ولم تقدم مبادرات وتصورات للمشكلات والحد من تداعياتها، وتكون هي حلبة للصراع السياسي السلمي، لا أن ينتقل الصراع إلى الشارع، ويصل إلى حد الاقتتال المسلح. كما أن حضورها في مفاوضات السلام اللاحقة — من جنيف إلى الكويت وصولًا إلى استوكهولم — ظل حضورًا هامشيًا، سواء في المفاوضات الدولية أو في الحكومات المتعاقبة في الداخل والخارج، وهو ما يعكس ضعف قدرتها على التأثير في مسار الصراع أو في رسم ملامح التسوية السياسية. ويعبر هذا الواقع عن أزمة عميقة تعاني منها الأحزاب اليمنية، تعود جذورها إلى ظروف نشأتها، وقصر تجربتها التاريخية، والثقافة السياسية التي تحملها، وطريقة تعاملها مع الواقع الاجتماعي اليمني.

وفي سياق تحليل أسباب تعثر الثورة اليمنية عام 2011، يشير بعض الباحثين إلى أن الأحزاب السياسية لعبت دورًا مهمًا في إعادة إنتاج الأزمة بدلًا من تجاوزها، إذ اتجهت إلى التسويات السياسية السريعة التي ضمنت بقاء النخب الحاكمة ضمن النظام السياسي. وقد جاء في إحدى الدراسات أن "الأطراف السياسية سعت إلى ضمان بقائهم واستمرارهم في الحكم، وأعطت الأحزاب رشوة قبائلها على عجل، وتمت المصالحة على حساب القضايا التي خرج لأجلها المحتجون"[8]. بينما يذهب البعض الآخر إلى أن تعثر الثورة اليمنية يعود بدرجة كبيرة إلى عجز الأحزاب عن تقديم مشروع سياسي واجتماعي واضح قادر على ملء الفراغ السياسي الذي نشأ بعد سقوط النظام السابق. فعلى الرغم من عقد مؤتمر الحوار الوطني الطويل، الذي كان يفترض أن يشكل إطارًا لإعادة بناء النظام السياسي، فإن هذا المسار لم ينجح في تحويل الصراع المسلح إلى صراع سياسي برامجي. وفي توصيف نقدي لهذه المرحلة، يشير أحد الباحثين إلى أن الانتقال من "حوار البنادق" إلى "حوار الفنادق" لم يكن سوى استراحة قصيرة لإعادة ترتيب التحالفات السياسية استعدادًا لمرحلة جديدة من الحرب الشاملة. كما أن ضعف الأحزاب السياسية أدى إلى نشوء حالة من الفراغ في تمثيل المعارضة السياسية، حيث لم تعد الأحزاب قادرة على التعبير عن مطالب المجتمع أو تنظيم الاحتجاجات السياسية، الأمر الذي أدى إلى انتقال المعارضة من المجال الحزبي إلى المجال الاجتماعي، حيث بدأت تتشكل في صورة حركات احتجاجية شعبية خارج الأطر التنظيمية التقليدية.

وتكمن إحدى أبرز أزمات الأحزاب اليمنية في غياب القدرة على التجديد الفكري والسياسي، وعدم قدرتها على إنتاج خطاب سياسي جديد يتلاءم مع التحولات التي شهدها المجتمع اليمني بعد ثورة 2011. فمن الناحية النظرية، يفترض بالأحزاب السياسية أن تقوم بوظيفة تجميع مطالب المجتمع وصياغتها في شكل برامج سياسية قابلة للتنفيذ، إلا أن الأحزاب اليمنية فشلت إلى حد كبير في أداء هذه الوظيفة.

ويرتبط ذلك أيضًا بضعف دور النخب الفكرية والثقافية داخل الأحزاب السياسية. ففي حين يرى عالم الاجتماع غوستاف لوبون أن الجماهير بطبيعتها لا تنتج الأفكار السياسية، بل تتبع الأفكار التي تنتجها النخب الفكرية والقادة السياسيون، فإن غياب هذه النخب عن المشهد الحزبي أدى إلى فراغ فكري داخل الأحزاب، الأمر الذي انعكس في ضعف الخطاب السياسي وعجزه عن التأثير في الرأي العام[9]. من جهة أخرى، يمكن تفسير ضعف المعارضة الحزبية في اليمن من خلال طبيعة العلاقة التي نشأت بينها وبين السلطة الحاكمة. ففي تحليله للعلاقة بين الحكومات والمعارضة في الدول العربية، يطرح الباحث ويزمان مفهوم "التكاملية"، حيث يرى أن العلاقة بين النظام الحاكم والمعارضة قد تقوم في بعض الأحيان على نوع من التعايش الوظيفي الذي يخدم مصالح الطرفين داخل النظام السياسي. وفي هذا السياق يشير إلى أن المعارضة قد لا تسعى دائمًا إلى إسقاط النظام، بل قد تقبل بدور محدود داخل النظام السياسي مقابل الحفاظ على موقعها المؤسسي. ويصف ويزمان هذه العلاقة بقوله إن الحكومة والمعارضة معًا قد تعملان على خدمة مصالح متبادلة داخل النظام السياسي، بما يؤدي في النهاية إلى تعزيز استقرار النظام القائم [10].

وقد تجلت هذه العلاقة في التجربة اليمنية في عدد من الممارسات السياسية، مثل استخدام النظام الحاكم للأحزاب كأدوات لإدارة التوازنات السياسية داخل النظام. فقد دعم الرئيس علي عبدالله صالح، على سبيل المثال، تشكيل حزب التجمع اليمني للإصلاح في مرحلة معينة لمواجهة الأحزاب التقدمية، ثم عمل لاحقًا على إضعافه من الداخل عبر تفكيك بنيته القبلية وضم بعض شيوخ القبائل إلى حزب المؤتمر الشعبي العام. كما ساهمت هذه السياسات في تحويل الصراع السياسي تدريجيًا إلى صراع ذي أبعاد مذهبية وطائفية، خاصة في ظل نظام انتخابي فردي يقوم على المنافسة بين النخب المحلية أكثر من قيامه على المنافسة الحزبية البرامجية.

 

ومن المؤشرات المهمة على ضعف تمثيل الأحزاب للمجتمع اليمني ما ظهر خلال مؤتمر الحوار الوطني، حيث بلغت نسبة تمثيل الأحزاب السياسية نحو 46.5% من مجموع المشاركين، وكان يتم الإشارة إليهم ضمن ما يسمى "المكونات السياسية" وليس باعتبارهم أحزابًا تمثل المجتمع. ويشير حصول الأحزاب على أقل من نصف المقاعد إلى أن حضورها داخل المؤتمر لم يكن يعكس بالضرورة وزنها الاجتماعي الحقيقي، بل يعكس توازنات سياسية تم التوصل إليها في إطار التسوية السياسية. ومع اندلاع الحرب في اليمن برزت أزمة الأحزاب بشكل أكثر وضوحًا، حيث غاب الموقف الحزبي الموحد، كما ظهرت انقسامات داخلية حادة داخل العديد من الأحزاب الرئيسية، الأمر الذي زاد من تراجع دورها السياسي.

ويمكن تفسير هذا الإخفاق من خلال مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية المتداخلة التي أثرت في مسار تطور الأحزاب اليمنية وأضعفت قدرتها على أداء وظائفها المفترضة.ذلك أن فشل الأحزاب اليمنية في استثمار الفرص السياسية التي أتيحت لها لا يعود فقط إلى الظروف الخارجية، بل يرتبط أيضًا بأزمة بنيوية عميقة تعاني منها هذه الأحزاب، تشمل عدة مستويات، من بينها:

 

إخفاقات الأحزاب السياسية في اليمن

أولًا: أزمة النشأة والصيرورة التاريخية للأحزاب

من أبرز مظاهر الأزمة التي تعاني منها الأحزاب اليمنية ضعف بنيتها التنظيمية والمؤسسية. فقد ظلت العديد من الأحزاب أقرب إلى تنظيمات نخب سياسية محدودة منها إلى مؤسسات سياسية جماهيرية راسخة. ويرتبط ذلك بغياب التقاليد الديمقراطية داخل الهياكل التنظيمية لهذه الأحزاب، حيث احتفظت القيادات التاريخية بمواقعها القيادية لفترات طويلة، الأمر الذي حدّ من عملية تداول القيادة داخل الأحزاب وأضعف قدرتها على التجديد والتكيف مع التحولات الاجتماعية والسياسية.

كما أن غياب المؤسسية انعكس في ضعف آليات اتخاذ القرار داخل الأحزاب، حيث غالبًا ما ارتبطت القرارات السياسية الكبرى بإرادة القيادات العليا أو بالتوازنات الشخصية داخل النخب الحزبية، بدلًا من أن تكون نتيجة لعمليات تشاور مؤسسية داخل التنظيمات الحزبية. وتشير دراسات حول تطور الحياة السياسية في اليمن إلى أن العديد من الأحزاب لم تتمكن من تطوير مؤسسات داخلية قوية، وظلت تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات الولاء الشخصي والعلاقات الاجتماعية التقليدية[12]

كما أن نشأة الأحزاب اليمنية ارتبطت في كثير من الأحيان بسياقات سياسية استثنائية، سواء في ظل الأنظمة السلطوية أو في إطار الصراعات الأيديولوجية الإقليمية التي شهدها العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ويشير الباحث اليمني عبدالباري طاهر إلى أن الحركة الوطنية اليمنية التي شكلت الإطار التاريخي لنشوء الأحزاب الحديثة كانت في الأساس حركة نضالية ضد الاستبداد والاستعمار، لكنها لم تتمكن لاحقًا من التحول الكامل إلى مؤسسات حزبية حديثة بعد قيام التعددية السياسية في اليمن[13]. كما أن البيئة السياسية التي نشأت فيها الأحزاب اليمنية اتسمت بضعف مؤسسات الدولة وباستمرار تأثير البنى الاجتماعية التقليدية، الأمر الذي جعل الأحزاب نفسها تعكس هذه البنى بدلًا من أن تتجاوزها[14].

ثانيًا: هشاشة الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب

تعاني العديد من الأحزاب اليمنية من ضعف في الممارسة الديمقراطية داخل هياكلها التنظيمية، حيث تتسم لوائحها التنظيمية بالغموض، كما أن تداول القيادة داخلها غالبًا ما يكون محدودًا. ويُعد التأثير البنيوي للبنى الاجتماعية التقليدية من أبرز العوامل التي أثرت في التجربة الحزبية اليمنية، وعلى رأسها القبيلة والمناطقية، اللتان استمر تأثيرهما في تشكيل السلوك السياسي داخل الأحزاب.

فبدل أن تسهم الأحزاب في تفكيك الولاءات التقليدية وإعادة بناء الولاء السياسي على أساس البرامج والأفكار، أصبحت في كثير من الحالات إطارًا جديدًا لإعادة إنتاج هذه الولاءات داخل المجال السياسي الحديث. وتشير دراسات حول النظام السياسي اليمني إلى أن الأحزاب السياسية كثيرًا ما أعادت إنتاج البنى الاجتماعية التقليدية داخل هياكلها التنظيمية، الأمر الذي أضعف قدرتها على التحول إلى مؤسسات سياسية حديثة[14].

وقد أدى هذا التداخل بين التنظيم الحزبي والبنى التقليدية إلى إضعاف الطابع البرامجي للأحزاب السياسية، حيث أصبحت الانتماءات القبلية أو المناطقية تلعب دورًا مهمًا في تحديد مواقع النفوذ داخل الأحزاب وفي تشكيل التحالفات السياسية. ويشير بعض الباحثين إلى أن هذا النمط من التنظيم السياسي يعكس ما يسميه علماء السياسة بـ"سياسات الزبائنية"، حيث تتشكل العلاقات السياسية حول شبكات الولاء والمصالح أكثر من قيامها على المنافسة البرامجية[15].

كما تفتقر معظم الأحزاب اليمنية إلى مشاريع سياسية ومجتمعية واضحة قادرة على معالجة المشكلات البنيوية التي يعاني منها المجتمع اليمني، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرتها على جذب الدعم الشعبي[16]. وفي ضوء هذه المعطيات، نجد أن العديد من الأحزاب اليمنية تجد نفسها اليوم أمام خيارين: إما الانخراط في عملية مراجعة نقدية عميقة لتجربتها السياسية والعمل على تجديد خطابها وبرامجها بما يتلاءم مع تطلعات المجتمع، أو الاستمرار في حالة الجمود التنظيمي والفكري التي قد تؤدي في النهاية إلى تراجع دورها التاريخي.

 

ثالثًا: غياب البرامج السياسية الواضحة

على الرغم من تعدد الأحزاب السياسية في اليمن، فإن التنافس السياسي بينها لم يكن في كثير من الأحيان قائمًا على أساس برامج سياسية واضحة ومتمايزة. فقد اتسمت العديد من البرامج الحزبية بالعمومية والغموض، كما افتقرت في كثير من الأحيان إلى آليات تنفيذية محددة. ويرتبط ذلك بطبيعة البيئة السياسية والاجتماعية التي عملت فيها الأحزاب، حيث طغت الاعتبارات الاجتماعية — مثل الانتماء القبلي أو المناطقي — على الاعتبارات البرامجية في تشكيل السلوك الانتخابي. ونتيجة لذلك، لم تتمكن الأحزاب السياسية من التحول إلى مؤسسات لإنتاج السياسات العامة أو لصياغة مشاريع إصلاحية متكاملة.

تشير العديد من الأدبيات المقارنة في علم السياسة إلى أن الأحزاب التي تفشل في تطوير برامج سياسية واضحة تفقد تدريجيًا قدرتها على تمثيل المجتمع أو التأثير في السياسات العامة [17]. وبذلك يمكن القول إن غياب الوظائف الأساسية للأحزاب السياسية في اليمن — حيث أصبح وجودها في كثير من الأحيان هدفًا بحد ذاته — هو ما جعلها كيانات محدودة التأثير، مغلولة اليد، مقصوصة الجناح، وعاجزة عن التأثير الحقيقي في مسار الحياة السياسية.

رابعًا: التحالفات البراغماتية وتآكل الثقة الشعبية

شهدت التجربة الحزبية في اليمن سلسلة من التحالفات السياسية التي اتسمت في كثير من الأحيان بالطابع البراغماتي القصير المدى. فعلى الرغم من أن التحالفات السياسية تمثل جزءًا طبيعيًا من العمل الحزبي في النظم الديمقراطية، فإن العديد من التحالفات في الحالة اليمنية قامت أساسًا على اعتبارات تقاسم السلطة أو مواجهة خصوم سياسيين، دون أن تستند إلى برامج سياسية مشتركة واضحة. وقد أدى ذلك إلى إضعاف ثقة الجمهور في الأحزاب السياسية، حيث بدت هذه الأحزاب في نظر كثير من المواطنين وكأنها جزء من صراع النخب على السلطة أكثر من كونها أدوات لتمثيل مصالح المجتمع. وتشير دراسات عن التحولات السياسية في اليمن إلى أن هذا النمط من التحالفات البراغماتية ساهم في تآكل الشرعية الاجتماعية للأحزاب وفي تراجع الثقة الشعبية بها[18].

خامسًا: إخفاقات الدور السياسي

أحد أبرز مظاهر فشل الأحزاب اليمنية يتمثل في عجزها عن تحويل الصراع السياسي إلى منافسة سلمية منظمة داخل المؤسسات. فبدل أن تشكل الأحزاب إطارًا لإدارة الخلافات السياسية، انتقل الصراع في كثير من الأحيان إلى العنف أو المواجهات المسلحة. وقد لاحظت دراسات عن النظام السياسي اليمني أن الأحزاب، رغم وجودها ضمن نظام تعددي منذ عام 1990، لم تتمكن من تطوير قواعد مستقرة للتنافس السياسي، الأمر الذي جعل النظام عرضة للأزمات المتكررة[19]. كما تشير تحليلات سياسية إلى أن الحرب التي اندلعت في اليمن بعد عام 2015 أدت إلى تراجع دور الأحزاب التقليدية وصعود الفاعلين العسكريين، حيث أصبحت القوى المسلحة أكثر تأثيرًا في تحديد مسارات الصراع من الأحزاب السياسية. لهذا، نجد أن الأحزاب اليمنية لم تتمكن من بلورة موقف سياسي موحد خلال الحرب، كما فشلت في التأثير في مسارات التفاوض الدولية أو تقديم مبادرات سياسية فعالة.

 

سادسًا: خفاقات إدارة التنوع الوطني

في مجتمع متنوع مثل اليمن، يفترض بالأحزاب السياسية أن تلعب دورًا أساسيًا في إدارة التعدد الاجتماعي وتحويله إلى تنافس سياسي منظم. غير أن الأحزاب لم تتمكن من أداء هذا الدور، إذ تشير الأدبيات المقارنة إلى أن فشل الأحزاب في إدارة الانقسامات الاجتماعية يؤدي غالبًا إلى صعود الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية. كما أن العديد من الأحزاب اليمنية تأسست على مرجعيات أيديولوجية عامة — إسلامية أو قومية أو يسارية — أكثر من قيامها على برامج سياسية عملية قابلة للتنفيذ، وهو ما جعلها تواجه صعوبة في التحول إلى أحزاب برامجية حديثة قادرة على تقديم حلول واقعية للمشكلات السياسية والاقتصادية.

ونتيجة لهذه العوامل مجتمعة، تحولت الأحزاب السياسية في اليمن تدريجيًا من أدوات مفترضة للتغيير الديمقراطي إلى كيانات تسعى في كثير من الأحيان إلى الحفاظ على وجودها التنظيمي بوصفه غاية في حد ذاته. ومع تراجع دور الأحزاب، برزت أشكال أخرى من التنظيم السياسي والاجتماعي — مثل التنظيمات القبلية أو المذهبية أو المناطقية — لملء الفراغ الذي تركته الأحزاب، وهو ما قد يسهم في تعميق الانقسامات الاجتماعية بدلًا من إدارتها سياسيًا. ومن ثم، فإن فشل الأحزاب السياسية في اليمن لا يرتبط فقط بظروف الحرب والصراع المسلح، بل يعود بالأساس إلى أزمة بنيوية عميقة في نشأتها وبنيتها التنظيمية وخطابها السياسي ومشروعها المجتمعي، وهي أزمة كشفتها الحرب وعمّقتها دون أن تكون سببها الوحيد.

 

الأحزاب والحرب: جردة حساب

شكّل اندلاع الحرب في اليمن منذ عام 2014 لحظة محورية في إعادة تشكيل العلاقة بين الأحزاب السياسية وباقي القوى الفاعلة في البلاد. فقد اندمجت منطقات الصراع العسكري مع التحولات السياسية، مما أدى في كثير من الحالات إلى تراجع قدرة الأحزاب على التأثير في مجريات الأحداث. هذا التراجع انعكس بصورة واضحة في أدبيات التحليل السياسي حول الوضع اليمني بعد انقلاب الحوثيين وسيطرة الجماعة على المؤسسات الرسمية في صنعاء، وذلك بسبب أن الأحزاب اليمنية التقليدية لم تعُد فاعلًا مؤثرًا في صناعة القرار السياسي بذات القوة التي كانت عليها قبل الحرب. 

في التحليل الصادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، يبرز أن الحرب أدت عمليًا إلى هامشية الأحزاب داخل المشهد السياسي، حيث توقفت الكثير من الأنشطة الحزبية التقليدية، وعجزت هذه التنظيمات عن الحفاظ على حضور مؤثر أو استعادة دورها كممثل سياسي حقيقي للجماهير داخل البلاد. كما يشير التقرير إلى أن هذا التراجع لم يكن نتيجة معزولة للحرب فحسب، بل أيضًا بسبب صعوبة الاستمرار في العمل الحزبي في ظل هيمنة الفاعلين العسكريين والتحالفات المسلحة التي فرضت نفسها كثوابت رئيسة في المشهد السياسي اليمني[20].

في السياق ذاته، يرى باحثون أن التحالفات الحزبية داخل اليمن عجزت عن الحفاظ على وحدة الرؤية والموقف السياسي بعد 2014، رغم محاولة بعض الأحزاب ـ مثل الحزب الاشتراكي اليمني ـ لعب دور في الدفع نحو التسوية الحوارية، إلا أن هذه الجهود ظلّت محدودة التأثير داخل منظومة الصراع الشامل. ويؤكد محللون أن التحالفات القائمة لم تصل إلى استراتيجية سياسية قوية تعيد إنتاج مشروع وطني جامع في مواجهة الانقسام الذي نتج عن الحرب. يعكس هذا التراجع في أداء الأحزاب الخاصة بالحياة السياسية طبيعة الأزمة العميقة التي عصفت بالنظام السياسي اليمني في ظل الحرب، إذ أصبحت القوى المسلحة والتحالفات العسكرية أكثر قدرة على التأثير في مجريات الصراع مقارنة بالأحزاب السياسية، التي لم تستطع تحجيم العنف أو الاحتكام إلى أدوات التنافس السياسي السلمي، كما كانت متوقعة في بنية النظام التعددي قبل الحرب. هذه التحولات تشير إلى أن التجربة الحزبية في اليمن واجهت اختبارًا صعبًا أظهر حدود قدرتها المؤسسية والسياسية في إدارة الصراع والتحول إلى وسيلة رئيسة لحل النزاعات[21]. 

 

مستقبل الأحزاب السياسية في اليمن: سيناريوهات محتملة

 

تشير العديد من الدراسات التحليلية إلى أن مستقبل الأحزاب السياسية في اليمن بات مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمآلات العملية السياسية وبإمكانية استعادة المسار الديمقراطي الذي تعرّض لانتكاسة كبيرة منذ اندلاع الحرب عام 2014. ففي ظل الصراع المسلح وتراجع مؤسسات الدولة، تعرضت البنية الحزبية التقليدية لاهتزاز عميق، تمثل في الانقسامات الداخلية، وضعف قدرتها على تمثيل تطلعات المجتمع، وتراجع دورها في التأثير على القرار السياسي. وتذهب تحليلات صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية إلى أن الأحزاب اليمنية تواجه تهديدات مركّبة، بعضها نابع من داخلها مثل الجمود التنظيمي وضعف التجديد، وبعضها مرتبط بالظروف السياسية العامة كاستمرار الحرب وتنامي دور القوى المسلحة. لذلك فإن مستقبلها سيظل مرهونًا بقدرتها على استعادة فاعليتها السياسية، وتجديد أدواتها التنظيمية، وإعادة بناء الثقة بينها وبين المجتمع[22].

وفي ضوء ذلك يمكن تصور عدد من السيناريوهات الواقعية لمستقبل الأحزاب السياسية في اليمن:

 

السيناريو الأول: التجديد وإعادة البناء (التحول الإصلاحي)

يفترض هذا السيناريو أن تتمكن الأحزاب من إجراء مراجعة نقدية شاملة لتجربتها، تشمل إصلاح بنيتها التنظيمية، وتجديد قياداتها، والانتقال من الخطابات الأيديولوجية التقليدية إلى برامج سياسية واقعية تستجيب لمطالب المجتمع. كما يتطلب تطوير أدوات التواصل مع القواعد الشعبية وإعادة تفعيل العمل التنظيمي. وغالبًا ما يرتبط تحقق هذا السيناريو بحدوث تسوية سياسية شاملة تُعيد فتح المجال العام وتوفر هامشًا من الحريات السياسية. وفي مثل هذه البيئة يمكن للأحزاب أن تستعيد دورها بوصفها رافعة للتعددية السياسية، وتتحول إلى فاعلين حقيقيين في المنافسة الانتخابية والبرامجية. لكن إمكانية التحقق لهذا السيناريو متوسطة، لكنها مشروطة بإنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

السيناريو الثاني: البقاء الشكلي والتهميش المستمر

في هذا السيناريو تستمر الأحزاب في الوجود بوصفها هياكل قانونية وتنظيمية، لكنها تظل محدودة التأثير في القرار السياسي. وقد تشارك في حكومات توافقية أو في مسارات تفاوضية، إلا أن حضورها يبقى رمزيًا أكثر منه فعليًا. وتبقى القوة السياسية الحقيقية في يد الفاعلين العسكريين أو التحالفات غير الحزبية، بينما تعاني الأحزاب من استمرار الانقسامات الداخلية وضعف القدرة على التعبئة الشعبية.

السيناريو الثالث: التفكك والاستبدال بقوى ما دون وطنية

يفترض هذا السيناريو أن يؤدي استمرار ضعف الأحزاب وعجزها عن التكيف مع التحولات السياسية إلى تراجعها لصالح قوى أخرى أكثر قدرة على التنظيم والتعبئة. وقد تتمثل هذه القوى في كيانات مناطقية أو مذهبية أو قبلية، أو في تشكيلات عسكرية وسياسية جديدة خارج الإطار الحزبي التقليدي. وفي مثل هذه الحالة قد يتحول التعبير عن التنوع الاجتماعي إلى صيغ غير مؤسسية، ما يؤدي إلى تعميق حالة التشظي السياسي وإضعاف فكرة الدولة الوطنية الجامعة. لكن نجاح هذه الرؤية تظل قائمة في ظل استمرار الاستقطابات الطائفية والمناطقية وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة.

السيناريو الرابع: ولادة نخبة حزبية جديدة بعد الصراع

يفترض هذا السيناريو أن تؤدي التحولات العميقة التي أفرزتها الحرب إلى ظهور نخبة سياسية جديدة، قد تنشأ من رحم الحركات الاجتماعية أو من شبكات المجتمع المدني أو من الأجيال الشابة التي لم تكن جزءًا من البنية الحزبية التقليدية. وفي هذه الحالة قد تظهر أحزاب جديدة أكثر مرونة وتنظيمًا، قادرة على بناء خطاب سياسي مختلف يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية القديمة، ويركز على قضايا الدولة والتنمية وإعادة الإعمار. وقد يشكل هذا التحول فرصة لإعادة تأسيس الحياة الحزبية على أسس أكثر حداثة وبرامجية.

الخاتمة

ليست الأحزاب في التجربة اليمنية مجرد تنظيمات سياسية أخفقت في أداء بعض أدوارها، بل هي انعكاس لبنية مجتمع لم يكتمل انتقاله بعد إلى نموذج الدولة الحديثة. فالديمقراطية، بوصفها نظامًا لتنظيم الصراع وتداول السلطة، لا تقوم فقط على النوايا أو الحشود، بل على وجود مؤسسات وسيطة قادرة على تحويل التوترات الاجتماعية إلى تنافس سياسي منظم. والحزب، في جوهره، هو هذه المؤسسة الوسيطة بين الدولة والمجتمع.

غير أن التجربة اليمنية كشفت مفارقة واضحة؛ إذ إن الأحزاب التي كان يُفترض أن تكون رافعة للديمقراطية وجدت نفسها في لحظات حاسمة عاجزة عن أداء هذا الدور. فقد أخفقت في منع انزلاق الصراع إلى العنف المسلح، ولم تتمكن من تحويل لحظة الثورة إلى مشروع لبناء الدولة، كما عجزت عن حماية المجال السياسي من الانقسامات الطائفية والمناطقية التي تعمقت خلال سنوات الحرب.

وفي الواقع، لا يمكن للديمقراطية أن تستعاد في غياب أحزاب سياسية فاعلة. فغياب الأحزاب لا يخلق فراغًا محايدًا، بل يفتح المجال لبدائل أكثر صلابة وأقل قابلية للمساءلة، مثل القبيلة أو الطائفة أو المنطقة أو القوة المسلحة. وهذه الأطر تمثل أشكالًا مضطربة للتعبير عن التنوع الاجتماعي، لأنها تقوم على الانتماء الهوياتي أكثر من قيامها على التنافس البرامجي.

ومع ذلك، فإن مستقبل الحياة السياسية في اليمن لا يرتبط فقط ببقاء الأحزاب بصورتها الحالية، بل بقدرتها على التحول. فإما أن تنجح في إعادة تعريف نفسها كأحزاب وطنية برامجية تتجاوز الجمود الأيديولوجي وتستعيد دورها الوسيط بين المجتمع والدولة، أو أن يفرز المجتمع قوى سياسية جديدة تتجاوزها. فالتاريخ السياسي لا يحتفظ بالمؤسسات لمجرد قدمها، بل بقدرتها الدائمة على التكيّف مع التحولات الاجتماعية والسياسية.

 

المراجع:

[1] عبدالرزاق حسن، مجلة العلوم السياسية، جامعة بسكرة، 2022، ص34. 

[2] Encyclopaedia Britannica Political Partyhttps://www.britannica.com/topic/political-party

[3] Georges Burdeau Traité de Science Politique Paris: LGDJ, 1970, 345–346.

[4] Maurice Duverger Political Parties: Their Organization and Activity in the Modern State Methuen & Co, 1954 17–20.https://archive.org/details/politicalparties00duve.

 [5] الشمسي، سالم محمد سعيد. الأبعاد المجتمعية للتطور السياسي في اليمن ومقوماته، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الإمارات، العدد 28، 2012، ص 145–147.

[6] Lijphart, Arend. Democracy in Plural Societies: A Comparative Exploration Yale University Press، 1977، 25–28.

 

[7]البردوني، عبد الله. (1990). أحزاب الواقع المتخلف وفيرة التخلف لأنها نبت هذه الأرض. صنعاء: مطبعة الحكمة. ص. 43.

[8]مجموعة مؤلفين. (2015). الأحزاب اليمنية والتحولات السياسية بعد الثورة. صنعاء: دار النهضة. ص. 43.

[9]لوبون، غوستاف. (1991). سيكولوجية الجماهير. باريس: مطبعة لاروس. ص. 112–115.

[10]ويزمان، ديفيد. (1989). الديمقراطية العربية والتكاملية السياسية. لندن: Routledge. ص. 558–559.

[11]محمد الكامل. (2022). أزمة الأحزاب السياسية اليمنية. كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة صنعاء. ص. 25–47.

[12] Carapico, Sheila. Civil Society in Yemen: The Political Economy of Activism in Modern Arabia. Cambridge University Press, 1998. (52-60).

[13] عبدالباري طاهر ، الحركة الوطنية اليمنية: رؤية في المسار والتجربة، 2013، ص 133–140).

 [14] Carapico, Sheila. Civil Society in Yemen: The Political Economy of Activism in Modern Arabia. Cambridge University Press, 1998.(112-118).

[14] Day, Stephen W. Regionalism and Rebellion in Yemen: A Troubled National Union. Cambridge University Press, 2012,( 385-387).

[15] Bonnefoy, Laurent. Yemen and the Politics of Permanent Crisis. London: Hurst, 2018, (45-48).

[16] Sana'a Center for Strategic Studies. تقاير وتخليلات حول الحياة السياسية والأحزاب في اليمن2021, https://sanaacenter.org.

[17] Sartori, Giovanni. Parties and Party Systems: A Framework for Analysis. Cambridge University Press, 1976, (63)

[18]Sana'a Center for Strategic Studies. تقاير وتخليلات حول الحياة السياسية والأحزاب في اليمن2021, https://sanaacenter.org.

[19]Day, Stephen W. Regionalism and Rebellion in Yemen: A Troubled National Union. Cambridge University Press, 2012, (118).

[20] مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية. (2022). تاريخ الأحزاب السياسية اليمنية: من الكفاح المسلح إلى القمع المسلح. صنعاء: مركز صنعاء للدراسات. متاح على موقع المركز (Sana’a Center).

[21] Independent Arabia — “أفول الحزبية في اليمن” تحليل لواقع الأحزاب اليمنية بعد سنوات من الحرب، موضحًا انتقالها من ممارسة سياسية حقيقية إلى هياكل ضعيفة التأثير.???? https://www.independentarabia.com/node/428636/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D8%A3%D9%81%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86.

[22]مركز المخا للدراسات الاستراتيجية. (2023). سيناريوهات مستقبل الأحزاب السياسية في اليمن. المخا: مركز المخا للدراسات والبحوث. ص. 5–27.

الهاشتاج
رابط الفيس بوك

حميع الحقوق محفوظة ل مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية ---- برمجة وتصميم ALRAJIHI