ماذا بعد وصول الحوثي إلى باب المندب؟
المعركة اليمنية لاستعادة الدولة وتقاطعاتها الدولية
* وحدة الدراسات الاستراتيجية والأمنية بالمركز
ملخص
تمثل التطورات العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي اليمني نقطة تحول في مسار الحرب اليمنية، ليس بسبب اتساع رقعة السيطرة الحوثية فحسب، وإنما بسبب انتقال الصراع من معادلة داخلية تتمحور حول السيطرة على المدن والجبهات إلى معادلة جيوسياسية ترتبط مباشرة بأحد أهم الممرات البحرية في العالم: باب المندب.
فبعد السيطرة الحوثية على مدينة المخا والتقدم جنوباً باتجاه ذباب والمناطق المشرفة على باب المندب، ثم تقارير عن وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون ومواقع استراتيجية أخرى في البحر الأحمر، أصبح الساحل الغربي مجالاً مركزياً في الصراع اليمني والإقليمي. وقد وصفت مصادر دولية التطور بأنه منح الحوثيين نفوذاً استثنائياً على مدخل البحر الأحمر، في وقت حذر فيه المبعوث الأممي من دخول اليمن مرحلة جديدة وأكثر خطورة من الحرب.
ولا يمكن قراءة هذا التطور باعتباره مجرد انتصار عسكري حوثي على قوات الحكومة اليمنية؛ إذ تتقاطع فيه أربعة مستويات: المعركة على الدولة اليمنية، والصراع السعودي–الإيراني، وأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، والحرب الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
وعليه، فإن السؤال المركزي لم يعد: هل يستطيع الحوثي الوصول إلى باب المندب؟ بل أصبح: ماذا سيفعل الحوثي بعد الوصول؟ وماذا سيفعل اليمنيون والقوى الإقليمية والدولية لمنع تحول باب المندب إلى ورقة استراتيجية دائمة في يد جماعة مسلحة؟
وتجادل هذه الدراسة بأن الوصول الحوثي إلى باب المندب لا يعني بالضرورة حسم الحرب، لكنه ينقلها إلى مرحلة مختلفة جذرياً؛ حيث يصبح تحرير الساحل الغربي وباب المندب جزءاً من معركة استعادة الدولة اليمنية، وفي الوقت نفسه قضية تتجاوز اليمن إلى أمن التجارة والطاقة والنظام الإقليمي والدولي.
أولاً: التحول من الحرب لأجل صنعاء إلى الحرب على الجغرافيا الاستراتيجية
منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ظلت الحرب اليمنية تُقرأ بصورة أساسية باعتبارها صراعاً على السلطة المركزية ومؤسسات الدولة.
لكن التطورات الأخيرة تكشف عن تحول أعمق: الجغرافيا أصبحت هي السلاح السياسي والعسكري الأهم.
فالسيطرة على صنعاء تمنح الحوثيين مركزاً سياسياً، والسيطرة على الحديدة تمنحهم منفذاً بحرياً مهماً، ومحاولة السيطرة على مأرب تمنحهم ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً، أما الوصول إلى باب المندب فيمنحهم ورقة ذات قيمة دولية تتجاوز بكثير حجم اليمن نفسه.
وهنا تكمن خطورة التحول.
فباب المندب ليس مجرد مضيق يمني؛ إنه بوابة البحر الأحمر، والبحر الأحمر هو الحلقة التي تصل المحيط الهندي والخليج العربي بقناة السويس والبحر المتوسط.
وتؤكد المنظمة البحرية الدولية أن البحر الأحمر، الممتد من قناة السويس عبر باب المندب إلى خليج عدن، يمثل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
وبالتالي فإن السيطرة البرية على المناطق المشرفة على المضيق تمنح صاحبها قدرة على التهديد، والمراقبة، والضغط، والتفاوض، حتى إذا لم يكن قادراً على إغلاق الممر بصورة كاملة.
وهذا تحديداً هو التحول الاستراتيجي الذي ينبغي أن يحظى بالاهتمام.
ثانياً: ماذا يعني وصول الحوثي إلى باب المندب؟
يمكن تلخيص أهمية التطور في خمس نقاط رئيسية:
1. تحويل الساحل الغربي إلى منطقة نفوذ استراتيجية
كانت السيطرة الحوثية على الساحل الغربي تتركز تاريخياً في الحديدة ومناطق شمال الساحل.
أما الوصول جنوباً إلى المخا وذباب والمناطق المحيطة بباب المندب فيعني أن الجماعة باتت أقرب إلى التحكم في كامل الجغرافيا الساحلية الغربية.
على أن الحوثيين سيطروا على المخا وتقدموا باتجاه ذباب، مع تقارير عن السيطرة على ميون، وهو ما يمنحهم موقعاً بالغ الحساسية عند مدخل البحر الأحمر.
2. امتلاك ورقة ضغط على الملاحة الدولية
لا يعني الوصول إلى باب المندب القدرة تلقائياً على إغلاقه.
لكن الفرق كبير بين أن تكون جماعة مسلحة بعيدة عن المضيق وبين أن تكون موجودة مباشرة على ضفتيه البرية والجزرية وتملك صواريخ وطائرات مسيرة وقوارب مسيرة وأسلحة ساحلية.
ومن الناحية العسكرية، فإن المضائق البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال بحري كامل حتى تصبح مكلفة بالنسبة إلى الملاحة؛ يكفي أحياناً امتلاك القدرة على تهديد السفن لجعل شركات التأمين والملاحة تعيد حساباتها.
وقد أدانت المنظمة البحرية الدولية مراراً الهجمات على السفن في البحر الأحمر، وأشارت إلى أن أمن الملاحة وسلامة البحارة أصبحا قضية دولية أساسية في المنطقة.
3. ربط اليمن بالحرب الإقليمية
وهنا تظهر إيران.
فإذا تمكنت جماعة حليفة لطهران من امتلاك نفوذ قوي على باب المندب في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة صراعاً حول مضيق هرمز، فإن إيران تصبح أمام وضع استراتيجي مختلف:
هرمز من الشرق، وباب المندب من الغرب.
وهذا لا يعني أن إيران "تسيطر" قانونياً أو عسكرياً على المضيقين، لكنه يعني امتلاكها، عبر شبكة حلفائها وقدراتهم، أدوات ضغط في نقطتين بحريتين بالغتي الأهمية.
ولهذا رأت تحليلات دولية أن السيطرة الحوثية على باب المندب يمكن أن تمنح طهران ورقة تفاوض إضافية في صراعها الأوسع مع واشنطن.
4. نقل المعركة من الداخل اليمني إلى المجال الدولي
حتى الأمس كان يمكن للدول الكبرى أن تقول إن الحرب اليمنية نزاع داخلي يحتاج إلى تسوية سياسية.
أما عندما تصبح إحدى القوى المتحاربة مسيطرة على مناطق استراتيجية تهدد خطوط الملاحة والطاقة، فإن المجتمع الدولي يجد نفسه مضطراً للتعامل معها باعتبارها مشكلة أمن دولي.
وهنا تصبح استعادة الساحل الغربي قضية تتجاوز الشرعية اليمنية إلى:
أمن البحر الأحمر.
حرية الملاحة.
أمن الطاقة.
قناة السويس.
التجارة الآسيوية–الأوروبية.
أمن السعودية ودول الخليج.
أمن مصر.
أمن القرن الأفريقي.
5. إعطاء الحوثي ورقة تفاوض أكبر
هذه ربما تكون أهم نقطة.
فالسيطرة على باب المندب لا تعني بالضرورة أن الحوثي يريد إغلاقه.
بل قد تكون قيمة المضيق بالنسبة إليه في التهديد أكثر من الاستخدام.
أي أن يصبح باب المندب ورقة يمكن استخدامها للقول:
إذا أردتم الملاحة الآمنة، فعليكم التعامل مع السلطة التي تسيطر على الساحل.
وهنا تتحول الجغرافيا العسكرية إلى قوة سياسية.
ثالثاً: هل وصول الحوثيين إلى باب المندب يحسم الحرب؟
لا. فالسيطرة على منطقة استراتيجية لا تعني بالضرورة القدرة على الاحتفاظ بها.
الحوثيون حققوا تقدماً سريعاً في الساحل الغربي، لكن الاحتفاظ بالساحل يحتاج إلى منظومة حناية عسكرية متكاملة
كما أن الساحل الغربي جغرافيا مفتوحة نسبياً، ويختلف عسكرياً عن المناطق الجبلية التي تمثل بيئة أكثر ملاءمة للحوثيين.
ومن ثم فإن السؤال العسكري الحقيقي ليس:
هل استطاع الحوثي الوصول إلى باب المندب؟
بل: هل يستطيع الحوثي تحويل هذا الوصول إلى سيطرة مستقرة ومستدامة؟
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب.
رابعاً: لماذا يمثل الساحل الغربي مفتاحاً لاستعادة الدولة؟
إن استعادة الدولة اليمنية لا يمكن أن تتم من خلال استعادة صنعاء وحدها.
الدولة اليمنية الحديثة مرتبطة بشبكة جغرافية واقتصادية وبحرية، والساحل الغربي يمثل إحدى أهم حلقاتها.
فمن الحديدة إلى المخا إلى باب المندب، توجد سلسلة من الموانئ والمناطق والجزر التي تمنح الدولة اليمنية عمقاً بحرياً واستراتيجياً.
ومن هنا يمكن النظر إلى الساحل الغربي باعتباره:
البوابة البحرية للدولة اليمنية.
ولهذا فإن خسارته ليست خسارة جبهة عسكرية فحسب؛ بل خسارة جزء من الوظيفة الاستراتيجية للدولة.
ومن الناحية الأخرى، فإن استعادته يمكن أن تكون بداية لإعادة بناء المعادلة الوطنية.
خامساً: المعركة القادمة ليست بالضرورة معركة باب المندب فقط
الخطأ الاستراتيجي هو اختزال المعركة القادمة في محاولة استعادة المضيق مباشرة. فالمعركة الأوسع ستكون على خمسة أحزمة:
الحزام الأول: المخا
المخا تمثل نقطة اتصال بين الساحل والداخل، ولذلك فإن استعادتها أو تثبيت السيطرة عليها ستكون ذات أهمية كبيرة.
الحزام الثاني: ذباب
أهميتها أنها أقرب إلى باب المندب، وتمنح السيطرة البرية على المنطقة المحيطة بالمضيق.
الحزام الثالث: الجزر
وهنا تكمن الخطورة الأكبر.
فجزيرة ميون، الواقعة في باب المندب، لها قيمة استراتيجية استثنائية؛ لأنها تقسم المضيق إلى ممرين وتتيح لمن يسيطر عليها مراقبة حركة الملاحة في المنطقة. وقد وصفت تقارير دولية الجزيرة بأنها ذات أهمية استثنائية للمراقبة البحرية.
الحزام الرابع: تعز
الساحل لا يمكن فصله عن تعز.
فإذا أصبح الحوثيون قادرين على عزل تعز عن ساحلها، فإنهم يحققون مكسباً مزدوجاً: عسكرياً وجغرافياً.
الحزام الخامس: الحديدة
الحديدة تظل مركز الثقل الساحلي الشمالي.
وبالتالي فإن معركة الساحل الغربي قد تتحول إلى حرب على الممر الساحلي الكامل وليس مجرد معركة على مدينة واحدة.
سادساً: لماذا تكتسب تعز أهمية أكبر بعد الوصول إلى باب المندب؟
إن التقدم الحوثي جنوباً يجعل تعز أكثر أهمية.
تعز تمثل الجسر بين:
المرتفعات – الساحل – باب المندب – عدن.
ولهذا فإن الضغط الحوثي على تعز يمكن أن يخدم ثلاثة أهداف:
منع القوات الحكومية من استخدام تعز كقاعدة لاستعادة الساحل.
تأمين العمق الشمالي للمخا وذباب.
منع تشكل محور بري يصل بين القوى الحكومية في تعز والساحل.
وبالتالي فإن المعركة في تعز ليست معركة محلية.
إنها جزء من معركة أوسع على الجغرافيا التي تحيط بباب المندب.
سابعاً: دور تحالف الشرعية؟
التحالف الداعم للشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية أمام معادلة معقدة .
فهو لا يواجه فقط جماعة يمنية مسلحة، بل يواجه الآن احتمال وجود قوة حليفة لإيران على أحد أهم الممرات البحرية المقابلة للبحر الأحمر.
والتطور الأخير يرفع كلفة الخيارات في ثلاثة اتجاهات:
الخيار الأول: التدخل العسكري المباشر
قد يؤدي إلى استعادة بعض المناطق، لكنه يحمل خطر توسيع الحرب.
الخيار الثاني: دعم القوات اليمنية
وهو الخيار الأكثر انسجاماً مع فكرة أن الحرب يجب أن تكون يمنية في جوهرها، لكن نجاحه يتطلب إعادة تنظيم القوى العسكرية المناوئة للحوثيين ضمن قيادة واستراتيجية موحدة.
الخيار الثالث: الضغط السياسي
وهذا يعني استخدام العلاقات الدولية للضغط من أجل منع تحويل باب المندب إلى منطقة نفوذ حوثية دائمة.
واللافت أن التقارير الأخيرة تحدثت عن ضغوط سعودية على واشنطن للتدخل ضد الحوثيين، بينما رفض الرئيس ترامب طلباً سعودياً لضرب الحوثيين في الوقت الراهن، وفق تقرير حديث.
وهذا مؤشر مهم على طبيعة الموقف الأمريكي مما حدث في باب المندب
ثامناً: ماذا تريد الولايات المتحدة؟
المصلحة الأمريكية ليست مطابقة تماماً للمصلحة اليمنية.
وهذه حقيقة ينبغي عدم تجاهلها.
واشنطن تريد بالدرجة الأولى:
حماية الملاحة الدولية.
منع تهديد السفن.
حماية المصالح الأمريكية.
احتواء إيران.
منع تحول باب المندب إلى أداة استراتيجية ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
لكن هذا لا يعني تلقائياً أن الولايات المتحدة ستتبنى هدف إعادة بناء الدولة اليمنية الموحدة بكل تفاصيله.
وهنا يظهر سؤال بالغ الأهمية:
هل تريد واشنطن استعادة الدولة اليمنية، أم تريد فقط تحييد باب المندب؟
الفرق بين الهدفين هائل.
إذا كان الهدف الأمريكي هو أمن الملاحة فقط، فقد تقبل واشنطن في مرحلة معينة بتسوية سياسية تمنح الحوثيين نفوذاً داخلياً مقابل ضمانات بحرية.
أما إذا أصبحت ترى أن السيطرة الحوثية على باب المندب جزء من استراتيجية إيرانية طويلة الأمد، فإن الحسابات الأمريكية ستتغير.
تاسعاً: الموقف الأوروبي ومصر
بالنسبة إلى أوروبا، فإن باب المندب يرتبط مباشرة بقناة السويس. وأي اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر يعني ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وزمن الرحلات.
أما مصر فالمسألة أكثر حساسية؛ لأن قناة السويس جزء مباشر من منظومة الأمن البحري التي تبدأ من باب المندب.
ولهذا فإن مصر ليست دولة بعيدة عن هذه التداعيات.
يمكن القول إن المعادلة الجغرافية هي:
باب المندب → البحر الأحمر → قناة السويس → المتوسط.
ومن ثم فإن أي قوة تتحكم في جنوب البحر الأحمر تستطيع التأثير بصورة غير مباشرة في الاقتصاد المصري وحركة التجارة العالمية.
عاشراً: ماذا عن روسيا والصين؟
روسيا والصين تختلفان عن الولايات المتحدة في طريقة مقاربتهما للأزمة.
الصين لديها مصلحة أساسية في:
استقرار خطوط التجارة.
حماية الملاحة.
استمرار تدفق الطاقة.
تجنب حرب إقليمية واسعة.
أما روسيا فتملك مصلحة في تقليص التفوق الأمريكي في المنطقة وإبقاء أوراق الضغط على واشنطن.
ولهذا قد تتعامل موسكو وبكين مع القضية من زاوية مختلفة عن واشنطن، لكنهما لن تكونا مرتاحتين بالضرورة أمام انهيار أمن الملاحة. وفي ذات الوقت يبديان على الاكثر روسيا دعما لهذا التفوق الايراني في المنطقة.
ومن هنا قد يصبح باب المندب مجالاً للتفاوض الدولي وليس فقط للمواجهة العسكرية.
الحادي عشر: هل يمكن أن يتحول باب المندب إلى "هرمز جديد"؟
هذا هو السيناريو الأخطر.
إذا أصبحت هناك قوتان إقليميتان تمتلكان قدرة على الضغط على أهم مضيقين في المنطقة:
إيران في هرمز، والحوثيون في باب المندب، وهما قوة واحدة بالاساس؛ فإن النظام البحري الإقليمي سيتغير.
وقد حذر الرئيس اليمني رشاد العليمي من أن باب المندب لا ينبغي أن يتحول إلى مضيق آخر على غرار هرمز، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك.
لكن السيطرة على الساحل لا تعني إغلاق المضيق.
والقدرة على تهديد الملاحة ليست مساوية للقدرة على التحكم الكامل فيها.
فالقوى الدولية قادرة على نشر قوات بحرية وجوية وصاروخية لحماية الممر.
لكن المشكلة أن ذلك سيحوّل باب المندب إلى منطقة عسكرية دولية مفتوحة.
وهذا في حد ذاته خطر على اليمن.
الثاني عشر: الخطر الأكبر على اليمن
قد يبدو للوهلة الأولى أن التدويل يخدم الحكومة اليمنية.
لكن التدويل يحمل خطراً آخر:
أن يتحول اليمن من دولة ذات قضية سياسية إلى ساحة أمنية دولية.
وهنا يمكن أن يحدث السيناريو التالي:
المجتمع الدولي يهتم بالملاحة.
القوى الإقليمية تهتم بأمن حدودها.
الولايات المتحدة تهتم بإيران.
أوروبا تهتم بالتجارة.
مصر تهتم بقناة السويس.
الصين تهتم بالطاقة.
روسيا تهتم بالتوازن الدولي.
وفي خضم كل ذلك قد تضيع القضية الأساسية:
من يحكم اليمن؟
وهذا هو الخطر الذي يجب على الحكومة اليمنية والقوى الوطنية تجنبه.
الثالث عشر: المعركة الحقيقية هي استعادة الدولةاليمنية
من هنا يجب إعادة تعريف الحرب.
المطلوب ليس فقط:
طرد الحوثيين من باب المندب.
بل:إعادة بناء الدولة القادرة على حماية باب المندب.
وهناك فرق استراتيجي كبير بين الهدفين.
فإذا تم تحرير باب المندب ثم بقيت الدولة ضعيفة ومنقسمة، فإن الأزمة ستعود.
أما إذا أصبح باب المندب جزءاً من منظومة دولة وطنية موحدة، فإن السيطرة عليه تتحول من مصدر تهديد إلى مصدر قوة للدولة اليمنية.
الرابع عشر: ما المطلوب يمنياً؟
أمام القوى المناوئة للحوثيين فرصة تاريخية، لكنها تتطلب تغيير طريقة إدارة الحرب.
١. توحيد القيادة
لا يمكن خوض معركة استعادة الساحل عبر تشكيلات متنافسة.
٢. بناء غرفة عمليات للساحل الغربي
تضم القوات الحكومية والقوى المحلية، مع قيادة سياسية وعسكرية واضحة.
٣. حماية السكان
المعركة على الساحل لا ينبغي أن تتحول إلى معركة على السكان المدنين وينبغي وضع ضمانات وخطط لحمايتهم.. واحتواء حالة النزوح الكبيرة بمساعدة البرامج الدولية.
٤. تحويل باب المندب إلى قضية وطنية
ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره منطقة نفوذ لهذا الطرف أو ذاك.
إنه ممر سيادي يخص الدولة اليمنية.
٥. تقديم ملف دولي متكامل
يجب أن تكون الرسالة إلى المجتمع الدولي:
نحن لا نطلب حرباً دولية على اليمن؛ نحن نطلب دعم الدولة اليمنية في حماية ممر دولي يقع داخل نطاق سيادتها.
الخامس عشر: ماذا يمكن أن يفعل المجتمع الدولي؟
المطلوب دولياً ليس فقط إصدار بيانات الإدانة.
فمجلس الأمن لديه أصلاً إطار قانوني يتعلق باليمن، ومن ذلك القرار 2216 الذي يتضمن تدابير مرتبطة بحظر الأسلحة على الجهات والأفراد المحددين في سياق الأزمة اليمنية.
كما أن قرارات مجلس الأمن المتعلقة بأمن الملاحة في البحر الأحمر، ومنها القرار 2722 وما تلاه، تعكس انتقال ملف الهجمات على السفن إلى صلب الاهتمام الدولي. وتوضح المنظمة البحرية الدولية أن مجلس الأمن طلب تقارير دورية بشأن الهجمات الحوثية على السفن التجارية.
لكن المطلوب الآن هو ربط المسارين:
أمن الملاحة + استعادة الدولة اليمنية.
فلا يمكن تحقيق أمن مستدام لباب المندب دون وجود سلطة يمنية قادرة على السيطرة على أراضيها وسواحلها.
السادس عشر: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تثبيت السيطرة الحوثية
يستطيع الحوثيون تثبيت وجودهم في الساحل والجزر، ثم استخدام باب المندب ورقة تفاوضية.
وهذا أخطر السيناريوهات سياسياً.
السيناريو الثاني: هجوم مضاد لاستعادة الساحل
قد تتشكل قوة يمنية مدعومة إقليمياً لاستعادة المخا وذباب والمناطق المحيطة بباب المندب.
هذا السيناريو قد يعيد رسم الخريطة العسكرية، لكنه يحتاج إلى وحدة قيادة وإسناد سياسي وإقليمي ودولي.
السيناريو الثالث: تدويل أمن باب المندب
قد تتجه القوى الدولية إلى إنشاء ترتيبات بحرية وأمنية واسعة لحماية الملاحة.
وهذا يحد من قدرة الحوثيين على إغلاق الممر، لكنه لا يحل مشكلة الدولة اليمنية.
السيناريو الرابع: تسوية سياسية جديدة
قد تستغل القوى الدولية الوضع للوصول إلى تسوية شاملة.
وهنا سيكون السؤال:
هل تكون السيطرة الحوثية على باب المندب ورقة تؤدي إلى تسوية، أم ورقة تمنح الحوثيين شرعية جديدة؟
وهذه نقطة يجب أن تكون حاضرة في أي مفاوضات.
السابع عشر: السيناريو الأكثر ترجيحاً
الأرجح أن المرحلة القادمة لن تكون حرباً يمنية خالصة ولا حرباً دولية شاملة.
بل ستكون مرحلة حرب هجينة تجمع:
العمليات البرية.
الضربات الجوية.
الضغط البحري.
الحرب الاقتصادية.
المفاوضات السياسية.
الضغوط الدولية.
الحرب الإعلامية.
الصراع على الشرعية.
وستصبح جغرافيا الساحل الغربي أهم جبهة في اليمن خلال المرحلة المقبلة.
وقد بدأت المؤشرات على ذلك بالفعل؛ إذ وصفت الأمم المتحدة المرحلة الحالية بأنها أكثر خطورة، في وقت اتسعت فيه المعارك إلى تعز والحديدة ومأرب والجوف والبيضاء، مع نزوح واسع للمدنيين.
الثامن عشر: المفارقة التاريخية
المفارقة أن الحوثيين قد يحققون أكبر مكاسبهم العسكرية في اللحظة التي تتحول فيها قضيتهم من قضية يمنية إلى قضية دولية.
وهذا قد يكون مكسباً لهم على المدى القصير، لكنه قد يتحول إلى عبء استراتيجي.
فكلما ارتفعت أهمية باب المندب، ارتفع عدد الأطراف التي لن تقبل بسيطرة قوة مسلحة واحدة عليه.
ومن هنا فإن الجغرافيا التي منحت الحوثي قوة قد تصبح في الوقت نفسه مصدر ضغط عليه.
خاتمة
إن وصول الحوثيين إلى باب المندب يمثل نقطة تحول في الحرب اليمنية.
لكن الخطأ هو النظر إليه باعتباره نهاية الحرب.
إنه في الحقيقة بداية مرحلة جديدة منها.
فالحوثي لم يصل فقط إلى منطقة جغرافية جديدة؛ بل وصل إلى منطقة تتقاطع فيها المصالح اليمنية والسعودية والمصرية والخليجية والأمريكية والأوروبية والصينية والروسية والإيرانية.
ولهذا فإن المعركة القادمة لن تكون فقط على باب المندب.
ستكون معركة على السؤال الأكبر:
من يملك حق التحكم في الجغرافيا الاستراتيجية لليمن؟
وإذا كانت الإجابة هي الدولة اليمنية، فإن استعادة باب المندب ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع أوسع لاستعادة الدولة، لا مجرد عملية عسكرية لاستعادة مضيق.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح اليمن دولة بلا سيادة كاملة، وباب المندب بلا دولة قادرة على حمايته.
أما الخيار الاستراتيجي الأفضل لليمن والمنطقة والمجتمع الدولي فهو أن تصبح حماية باب المندب جزءاً من وظيفة الدولة اليمنية نفسها.
ومن هنا فإن المعادلة المقبلة ينبغي أن تكون:
استعادة الساحل → استعادة باب المندب → إعادة بناء الدولة → حماية الملاحة → تسوية سياسية يمنية شاملة.
أما إذا جرى التعامل مع باب المندب باعتباره مجرد ملف ملاحي منفصل عن قضية الدولة اليمنية، فإن المجتمع الدولي قد ينجح في حماية السفن، لكنه لن ينجح في حل الحرب.
وهذه هي المفارقة الكبرى:
يمكن حماية باب المندب بالقوة الدولية مؤقتاً، لكن لا يمكن حماية اليمن وباب المندب بصورة مستدامة إلا باستعادة الدولة اليمنية.
ويمكن اختزال المرحلة القادمة في خمس فرضيات:
أولاً: الوصول الحوثي إلى باب المندب لا يعني حسم الحرب، لكنه يرفع قيمة الحوثيين التفاوضية بصورة غير مسبوقة.
ثانياً: الساحل الغربي أصبح الجبهة المركزية في الحرب اليمنية، وليس جبهة هامشية.
ثالثاً: إيران تمتلك الآن، عبر حليفها الحوثي، ورقة إضافية في معادلة البحر الأحمر، لكن حجم هذه الورقة سيتوقف على قدرة الحوثيين على تثبيت سيطرتهم.
رابعاً: الولايات المتحدة والقوى الغربية قد تتدخل لحماية الملاحة حتى إذا لم تتبنَّ بالكامل هدف استعادة الدولة اليمنية.
خامساً: الفرصة التاريخية أمام الشرعية والقوى اليمنية هي تحويل باب المندب من ورقة نفوذ حوثية إلى قضية وطنية جامعة، ومن ثم جعل معركة الساحل جزءاً من مشروع واضح لإعادة بناء الدولة.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة ليس: هل وصل الحوثي إلى باب المندب؟
بل:
هل سيكون باب المندب نقطة انطلاق لتمدد الحوثي، أم نقطة التحول التي تدفع اليمن والإقليم والمجتمع الدولي إلى إعادة بناء معركة استعادة الدولة؟
وهنا تحديداً تبدأ المعركة الحقيقية.
خاتمة وتقدير موقف
يمثل وصول الحوثيين إلى باب المندب تحولاً نوعياً في الحرب اليمنية، لأنه ينقل الصراع من معركة على السلطة والجغرافيا الداخلية إلى صراع تتداخل فيه السيادة اليمنية مع أمن الملاحة الدولية والتنافس الإقليمي والدولي. غير أن السيطرة على المناطق المحيطة بالمضيق لا تعني حسم الحرب، بل تمنح الحوثيين ورقة استراتيجية جديدة، ترتفع قيمتها بقدر قدرتهم على تثبيت وجودهم الساحلي والجُزري.
في المقابل، فإن أهمية باب المندب قد تجعل المكسب الحوثي مصدر ضغط عليهم أيضاً، إذ لن تقبل القوى الإقليمية والدولية بسهولة بتحول هذا الممر الحيوي إلى ورقة دائمة بيد جماعة مسلحة. ومن هنا يُرجح أن تشهد المرحلة المقبلة تداخل العمليات العسكرية مع الضغوط السياسية والتحركات البحرية الدولية.
وتبقى المعادلة الأهم يمنياً هي أن استعادة باب المندب لا ينبغي أن تكون هدفاً عسكرياً منفصلاً، وإنما جزءاً من مشروع استعادة الدولة وبناء مؤسسات قادرة على حماية السيادة والسواحل. فالحماية الدولية للملاحة قد تمنع تعطيل الممر مؤقتاً، لكنها لا تعالج أصل المشكلة.
وعليه، فإن المعركة المقبلة ستدور حول قدرة القوى اليمنية المناوئة للحوثيين على توحيد قرارها العسكري والسياسي، واستعادة الساحل، وتحويل باب المندب إلى قضية سيادية جامعة، بالتوازي مع توظيف الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر لدعم مسار استعادة الدولة، لا استبداله بتسوية أمنية مؤقتة.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد وصول الحوثي إلى باب المندب لم يعد: من يسيطر على المضيق؟ بل: هل يستطيع اليمنيون تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق لاستعادة الدولة، أم يتحول باب المندب إلى ورقة نفوذ دائمة في صراع إقليمي ودولي أوسع؟