24 سبتمبر 2026

معركة حماية سلاسل الغذاء والنفط والممرات المائية

 سيناريوهات للحرب في اليمن

* أحمد الشرجبي 

 

الصراع تجاوز نطاق التصعيد المحدود

لم يعد ما يجري تصعيداً يمكن استيعابه داخل قواعد قائمة، بل صار سلسلة جولات متعاقبة يخرج الطرفان من كل واحدة منها وقد استخدما قدرات كانا يحجبانها، ولا يسحبان أياً منها بعد استخدامها.

سيطر الحوثيين على المخا في 10 سبتمبر وعلى جزيرة ميون في اليوم التالي، فاكتمل إمساكهم بالمداخل الشرقية لباب المندب وسقطت قاعدة الحكومة الرئيسية على البحر الأحمر ومنفذها الجمركي في عملية واحدة. وانسحبت القوات الحكومية من الساحل الغربي، وكان أقرّ سلطان العرادة نائب رئيس مجلس القيادة الحكومي بأنها تعيد ترتيب صفوفها في مأرب. ودخلت السعودية الحرب الجوية دون أن تعلن ذلك، بما يقدّره الحوثيين بـ129 غارة خلال 48 ساعة على سبع محافظات. 

والأهم أن الجولة الأخيرة لم تبقَ يمنية. فبين 10 و11 سبتمبر ضربت مسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية خط الأنابيب شرق–غرب فأوقفته السعودية احترازياً، وهو الخط الذي كانت الرياض قد حوّلت إليه نحو خمسة ملايين برميل يومياً بعد إغلاق هرمز، وينقل ما يعادل 4 إلى 5 في المئة من الإمداد العالمي. وبذلك أُغلقت ثلاث نقاط اختناق مختلفة في جغرافيا التصدير السعودية خلال ثمان وأربعين ساعة: هرمز شرقاً، والخط في العمق، والمخرج البحري غرباً. وسواء كان ذلك تنسيقاً أم تقارباً في التوقيت، فالنتيجة واحدة: صارت الحرب في اليمن فرعاً من حرب الطاقة، لا نزاعاً داخلياً تُضاف إليه أبعاد إقليمية.

وفي هذا السياق يتحرك طرف ثالث بحساب مختلف. فالحوثيين يضغطون على المملكة لانتزاع تنازلات، بينما تجد الولايات المتحدة في الوضع فرصة مزدوجة: توسيع مبيعات السلاح ومنظومات الدفاع الجوي من جهة، ودفع الرياض نحو تنازلات إقليمية وترتيبات شراكة — على غرار منطق «اتفاقيات أبراهام» ممتداً إلى الأمن البحري — تقوم على حماية مشتركة للممرات بما فيها باب المندب. والمعادلة التي يمكن اسنتناجها من هذا الضغط: كلما ضاقت جغرافيا التصدير السعودية ازدادت فرصه الحصول على تنازلات. أي أن كلفة هذه الحرب على الرياض لا تُقاس بالإنفاق العسكري وحده بل بما تدفعه سياسياً مقابل حماية ربما لا تملك بدائل عنها.

ويحكم الخيارات السعودية قيدان ثابتان. الأول أن الطيران يُبطئ ولا يستعيد؛ والقوات اللازمة لاستعادة الساحل هي القوات اليمنية نفسها التي تسبّب تشظّيها في خسارته، إذ يُرجع محللون سرعة الانهيار إلى قيادة منقسمة تتنافس فيها تشكيلات متعددة وتتبادل الاتهامات. والثاني أن المملكة قد لاتدفع بقوات مشاة قادرة على قتال جبلي ممتد ولا قدرة إنزال بحري، وتجربة 2015–2021 حسمت هذا النقاش داخلياً. وعليه فإن القوة البشرية اليمنية هي الأداة الوحيدة القادرة على تغيير المعادلة على الأرض، وحول كيفية تشغيلها يدور الفارق بين السيناريوهين. أما السيناريو الثالث فيدرس إستمرار تقدم الحوثيين وفرض سيطرتهم على مساحات اكثر في اليمن.  

 

 السيناريو الأول — إسناد جوي وتمكين بلا انخراط بري

في هذا المسار تبقى المشاركة السعودية جوية وبحرية دفاعية، وتتركز الجهود على تطوير المهام الدفاعية: تكثيف الدفاع الجوي، وتأمين الحدود والمنشآت، وحماية الملاحة عبر التحالف البحري. ويجري توظيف الشركاء عبر الترتيبات البحرية القائمة واتفاق مكة لتقديم إسناد لوجستي وفني للقوات اليمنية — تدريب، وذخائر، ومنظومات مسيّرة، وحرب إلكترونية، وإصلاح وصيانة — دون دفع قوات حقيقية إلى الأرض، وربما بمشاركة محدودة في مهام تأمين أو استشارة. والنتيجة العملية أن العمليات تستمر بالوتيرة الراهنة وتتخللها انكسارات موضعية على غرار ما جرى على الساحل.

دلالات هذا السيناريو قائمة بالفعل ويمكن رصدها.

أولها أن الرياض لا تعلن غاراتها ولا تسمى عملية، وعدم الإعلان هو نفسه إعلان بعدم الالتزام. وثانيها أن اتفاق مكة مايزال «قيد الإنشاء» لا قيد التفعيل؛ فقد أعلنت الخارجية الباكستانية في 10 سبتمبر أن الاتفاق دفاعي وأن أي رد عسكري على هجمات الحوثيين ليس مطروحاً، وتتجنّب إسلام آباد حرباً يمنية ثانية حفاظاً على علاقاتها بطهران ، مع ذلك منذ يناير 2026 هناك تواجد عسكري واضح للقوات الباكستانية على الأراضي السعودية وهذا يؤكد على ان هذه القوات قد تتولى عمليات تدريب وتأهيل للقوات اليمنية بجانب مهامها الدفاعية خاصة على منظومات الطيران المسير والتي تشهد تعاوناً بين المملكة العربية السعودية وباكستان وظهرت نسخاً من هذه الطائرات مع الجيش اليمني مؤخراً، وثالثها أن تفويض التحالف البحري يظل حمايةً ومرافقةً لا إخمادً للهجمات أو مصادر اطلاق الصواريخ. ورابعها أن الإسناد للقوات اليمنية يصل عبر توجيه رئاسي في كل حالة بدل قيادة دائمة تحرّك التشكيلات بين المسارح. وخامسها استمرار ضبط النفس تجاه العراق، إذ امتنعت الرياض عن الاستمرار في الانخراط في أي رد بعد طلب من رئيس الوزراء العراقي مع احتفاظها بحق «اتخاذ كل ما يلزم». وسادسها غياب أي بصمة تحضير برمائي: لا استئجار سفن نقل، ولا تجميع في جيزان أو عصب أو جيبوتي، ولا نشر لقدرات مكافحة الألغام البحرية التي تستخدمها القوات التابعة لإيران بكثرة لتهديد الملاحة.

ومسار الأسابيع المقبلة في هذا السيناريو هو تثبيت الأمر الواقع على الساحل: هجمات حكومية مضادة نحو المخا وعلى طريق المخا–ذباب لمحاولة استعادة المدينة، وتركّز القتال في مأرب والجوف ومرتفعات تعز حيث تحتفظ الحكومة بعمق وتعبئة وخطوط إمداد أقصر، واستهداف حوثي معايَر للعمق السعودي يُبقي الضغط دون استدعاء تدخل بري، واضطراب ملاحي مستمر دون إغلاق رسمي للمضيق.

أثره على الدولة مالياً قبل أن يكون عسكرياً. خسارة المخا تعني فقدان منفذ جمركي وممر لوجستي بينما يتداول الريال قرب 1550–1580 للدولار في عدن مقابل 533–540 في صنعاء. والمتوقع مزيد من التدهور، وارتفاع أسعار الوقود والنقل، وتأخر الرواتب، وضغط على مطار عدن مع إعادة تسعير المجال الجوي تأمينياً. بينما يبقى مركز الحكومة ينخفض تدريجيا.

وأثره الاجتماعي تراكمي: نزوح ممتد من تهامة والمديريات الساحلية — نحو 46 ألف نازح في أسبوع الهجوم وحده من أصل 76 ألفاً منذ يوليو، وأكثر من ألفين عبروا إلى جيبوتي — وارتفاع في أسعار الغذاء، ودخول سلاح منهوب أو متروك إلى الأسواق المحلية خلال أيام، وتحوّل بطيء لاقتصاد النزوح إلى اقتصاد إجرامي قوامه الإتاوات على الحواجز وتحويل الوقود وتجارة السلاح حول المخيمات.

والمخاطرة الكامنة في هذا السيناريو أن استمرار الوتيرة نفسها لا يعني استقرار الخطوط. فقوات الحزام الأمني في الضالع–لحج–أبين بالإضافة لقوات دفاع شبوة قد نشهد فيها احتمال انهيار سياسي لا ميداني: وحدات تنسحب إلى مناطقها بدل إسناد المحاور القتالية تماماً كما حدث في الساحل الغربي، في تشكيلات وريثة للقوات التي كانت مدعومة إماراتياً ولم تندمج تماماً منذ حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي في يناير. وأي تصدّع هناك يعرّض عدن لاستهداف متواصل، ويغلق مطارها، ويدفع الريال إلى ما بعد حاجز 2000، ويجعل انتقال أجزاء من الحكومة إلى الخارج محتملاً — وهي الحالة التي تفقد فيها الحكومة قدرتها على منازعة أي تسوية تُبرم. كما تضعف قدرات مكافحة الإرهاب في أبين وشبوة وحضرموت أمام مستوى نشاط مرتفع أصلاً للقاعدة. 

السيناريو الثاني — عملية موسّعة لانتزاع الممرات

في هذا المسار تنتقل السعودية وشركاؤها الإقليميون والدوليون إلى انخراط مباشر هدفه حماية الممرات المائية وسلاسل إمداد النفط، عبر عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، مع الضغط على مناطق سيطرة الحوثيين بالاستناد إلى القوات المسلحة اليمنية بوصفها المكوّن البري. والمُحرّك ليس اليمن فقط بل الطاقة: فحين يصبح تعطيل التصدير مستمراً لا عارضاً، تتجاوز كلفة اللافعل كلفة الفعل.

ومدة الحرب ليست المعيار. المعيار هو الأهداف الثلاثة التي ستحكم أي حملة سعودية: تأمين الممرات المائية، وحماية الحدود، وقطع تدفق السلاح إلى الحوثيين. وقد تنتهي العملية بانتزاع السيطرة على الممرات — الجزر اليمنية على البحر الأحمر من ميون والشريط الساحلي والمخا — في وقت قصير نسبياً، لأن الاستيلاء على جزيرة وشريط ساحلي مكشوف مهمة تناسب التفوق الجوي والبحري إذا توافر شريك بري. لكن الاحتفاظ بها وقطع الإمداد مهمتان مختلفتان: فخطوط إمداد الحوثيين تمرّ برّاً عبر عمق معقد. وهو ما يجعل الهدف الثالث أصعب من الأول بكثير وأطول أجلاً منه.

دلالات هذا السيناريو هي التحوّل من الحماية إلى الانخراط في كثافة الهجمات الجوية. لكن إلى الان لم تعلن الرياض عملياتها، لأن الإعلان يعتبر التزاماً بتنفيذ مهام قتالية . كذلك يمكن إضافة انه يمكن تعديل تفويض التحالف البحري من المرافقة إلى ضرب المنصات والرادارات والبنية البحرية الساحلية بينما الأهم هو دخول شريك بري؛ مثل الإمارات كقوة برية، وخبرة إنزال سبق أن نُفّذت في المخا وميون عام 2017، وشبكة تشكيلات يمنية قائمة.. بينما قد يتم استبدال ذلك بعدد من الخيارات الرئيسية منها مصر وتركيا وامريكا وبريطانيا والتي قد توافق على تنفيذ عمليات انزال وشراكة لإدارة الممرات المائية في اليمن بالشراكة مع الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية.

كذلك يمكن اعتبار انه من الدلالات أن تتحرك التشكيلات اليمنية بين المسارح ضمن خطة واحدة، وأن يُدفع المخزون إلى الأمام — فالإعلانات قابلة للسحب خلال أيام أما منظومة إمداد دُفعت للأمام فلا. بالإضافة أن يُعلَن غرفة عمليات برية سعودية–يمنية مشتركة، وأن يتوقف تمويل التشكيلات ثنائياً لصالح قناة واحدة عبر وزارة الدفاع. بينما تعتبر خطوة تفعيل اتفاق مكة صراحة بمختلف المستويات؛ علماً أن الاتفاق الموقّع في 7 أغسطس يقوم على تقسيم عمل صريح — تمويل سعودي، ومعدات دفاعية تقنية تركية، وقوة بشرية باكستانية في الخطوط الأمامية — وأن تفعيله البشري هو أوضح إشارة على عبور العتبة.

وأثر هذا السيناريو أعلى في المديين القصير والبعيد معاً. فالمكاسب المحتملة حقيقية: استعادة الممر يعيد للحكومة قاعدتها الساحلية وإيراداتها الجمركية، ويخفض كلف التأمين، ويقطع أحد مسارات الإمداد البحري. لكن الكلفة الآنية أشد: استهداف حوثي عميق لعدن والمكلا وسيئون وهي مدن بلا ملاجئ ولا خبرة حديثة بالإنذار، ونزوح واسع من تهامة والسهل الساحلي تُفرَّغ أمامه المخيمات كما حدث في مقبنة وجبل حبشي، وتوسيع الاستهداف البحري وارتفاع أسعار النفط والشحن. كما أن حملة تتعثّر بعد الدفع بالتشكيلات المدمجة حديثاً لا تفوّت الفرصة فحسب بل تستهلك الغطاء السياسي والدعم الدولي والتماسك العسكري الذي قامت عليه.

الموقف الأمريكي هو المتغيّر الذي يحدد أيّ السيناريوهين يمكن حدوثة، لأن الرياض لا تملك وحدها ما يلزم لتنفيذ السيناريو الثاني. والخطاب الأمريكي وحده مضلّل هنا؛ فالقراءة السائدة أن واشنطن لا ترى نفسها في حرب مع الحوثيين وأن دورها سيبقى ممكناً عبر الاستخبارات والتزوّد بالوقود والإسناد اللوجستي وتقديم المشورة والدعم الفني. لذلك ينبغي قياس الاستعداد بالأصول لا بالتصريحات.

والمؤشرات الستة الأكثر دلالة: أولاً إعادة انتشار أصول أمريكية من مسرح إيران إلى البحر الأحمر وخليج عدن — فالقيد الحقيقي على واشنطن هو انشغالها بإيران، وأي إفراج عن طائرات تزوّد بالوقود أو منصات استطلاع أو مجموعة حاملة هو أوضح إشارة على استعداد فعلي.

ثانياً وتيرة توريد الصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي السعودي، وهي القيد الفعلي على قدرة المملكة على الاحتفاظ بقدراتها على الدفاع وتجنب أي ضربات تؤثر اقتصاديا أو سياسيا عليها بسبب ارتفاع الهجمات ضدها وهو مؤشر اكثر قيمة لعدد المنصات الدفاعية التي تمتلكها المملكة، هذا بالإضافة لتوفر عددا من الطائرات الاعتراضية ذات المهام التكتيكية والمنخفضة التكلفة كطائرات بيرقدار آقنجي التركية و والمقاتلات جاى إف - 17 ثاندر الباكستانية الصينية التي تعاقدت السعودية للحصول عليها.

ثالثاً، نشر قدرات مكافحة الألغام البحرية، فهي مقدمة لا غنى عنها لأي عملية في المضيق.

رابعاً، إخطارات الكونغرس بصفقات السلاح واستخدام صلاحيات البيع الطارئ، وهي المؤشر الذي يكشف البعد التجاري للموقف الأمريكي. خامساً، تحوّل اللغة من نفي الحرب إلى تسمية عملية أو إعلان تفويض. سادساً، موقف واشنطن من أي رد سعودي على العراق: فكبح هذا الرد يخدم حاجتها إلى بغداد مستقرة خلال انسحاب التحالف وحتى مهلة حصر السلاح في 30 سبتمبر — أي أن الولايات المتحدة تقيّد أحد خيارات الرياض لمصلحتها هي، وتراجعها عن هذا الكبح مؤشر على انتقالها إلى منطق المواجهة الموسّعة.

ويُضاف إلى ذلك مؤشر سياسي لا عسكري: أي تقدّم في ربط حماية الممرات بترتيبات شراكة إقليمية أوسع. فتحويل مشكلة تأمين ممر إلى مشروع اصطفاف سياسي هو الثمن الذي تسعى واشنطن لتحصيله، ورصده يجري في نصوص الترتيبات البحرية لا في بيانات الخارجية.

السيناريو الثالث: استمرار الهجوم وانهيار القوات الحكومية

في هذا المسار لا يتوقف الحوثيين عند الساحل، ولا تصمد المنظومة العسكرية الحكومية أمام موجة ضغط ثانية. والانهيار هنا لا يعني احتلال الحوثيين لكامل الجنوب — وهو هدف لا مصلحة لهم فيه كما سيأتي — بل اختفاء سلطة واحدة قادرة على الإمساك بالأرض والتفاوض باسمها، وتفكك المعسكر المناهض للجماعة إلى سلطات محلية متفرقة يفاوض بعضها صنعاء منفرداً. وهذا هو الفارق الجوهري بين هزيمة عسكرية وانهيار سياسي: الأولى تُفقد أرضاً، والثانية تُفقد طرفاً.

والآلية المرجّحة ليست معركة حاسمة بل تسلسل سقوط: الساحل الغربي أولاً وقد وقع؛ ثم ممر تعز–المخا الذي يعزل المدينة عن البحر؛ ثم حزام الضالع–لحج الذي يفتح مداخل عدن؛ بينما تبقى مأرب هي المتغير الفاصل. فما دامت مأرب صامدة لا يكتمل الانهيار، لأنها القاعدة الوحيدة التي تجمع تعبئة قبلية ومورداً محلياً من النفط والغاز واستقلالاً مالياً نسبياً، وهي الاساس التي أعلن سلطان العرادة أن القوات المنسحبة من الساحل تعيد تنظيمها فيها. أما سقوطها فيحوّل التراجع إلى انهيار.

ان الدلالات والمحركات لهذا الأول تنظيمي ومعلوم: قيادة منقسمة تتنافس فيها تشكيلات متعددة وتتبادل الاتهامات بينما ينهار الخط، وهو التشخيص نفسه الذي فُسّرت به سرعة سقوط الساحل. والثاني هيكلي: تسلسل إعادة الهيكلة وضع تعز والضالع في أصبح اكثر حرجاً، فصارت الجبهات المعرّضة هي الأقل تنظيماً وتمويلاً. والثالث مالي: أي انقطاع في المرتبات لا يُنتج تمرداً فقط بل غياباً للمقاتلين حيث تختفي الوحدات ويعود المقاتلين لمناطقهم بدلاً عن إسناد محاور عسكرية مجاورة. والرابع سياسي: التشكيلات الوريثة للقوات التي كانت مدعومة إماراتياً قد تغير موقفها من الانخراط وخاصة تلك التي كانت تؤيد المجلس الانتقالي الجنوبي وانسحبت من المشهد العسكري في يناير 2026، بينما تعارض قيادتها علنا الدفع بأفراد جنوبيين إلى جبهات في المناطق الشمالية. بينما يزداد التعقيد حول امكانية حتى ان تقوم هذه القوات بمساندة الجبهات الجنوبية او الدفع بمقاتليها حال هجوم الحوثيين عليها مثل لحج والضالع وأبين. والخامس أنه لا توجد آلية تحكيم بين التشكيلات، فأي نزاع على أمر إعادة انتشار أو توزيع ذخيرة يتصاعد بلا وسيلة احتواء حقيقية على الأرض يمكنها احتواء.

والدلالات التي تسبق الانهيار وتنذر به ستة: انسحابات غير مبرّرة عملياتياً من مواقع لم تتعرض لضغط مباشر؛ وتوقف الإسناد المتبادل بين المناطق والجبهات العسكرية؛ وإطلاق سراح أسرى أو تسليم مواقع بترتيبات محلية بدل قتال — وقد ظهرت بوادره على الساحل حين نُقل أسرى مفرج عنهم إلى صنعاء مع سقوط المواقع ؛ وظهور سلاح المخازن في الأسواق المحلية خلال أيام من أي تراجع؛ وتحوّل خطاب القيادات الميدانية من الدفاع عن الجبهة إلى الدفاع عن المحافظة؛ وأخيراً بدء اتصالات محلية مباشرة مع صنعاء يقودها وجهاء أو قادة ميدانيون بلا تفويض مركزي.

يُتوقع أن يبدأ المسار بضغط متزامن على ممر تعز–المخا وجبهة الضالع، لا بحثاً عن اختراق واحد بل لفرض معضلة التزامن على قيادة تعجز عن تحريك احتياطياتها العسكرية والدعم اللوجستي بين المسارح دون توجيه رئاسي في كل حالة. ثم تنكفئ التشكيلات في الضالع ولحج إلى مناطقها، فتصير مداخل عدن مكشوفة أمام الاستهداف المتواصل لا المتقطع. وفي الأثناء تمارس مأرب دور المهمة الأخيرة، فتتحول إلى محور الجهد السعودي بأكمله لأن سقوطها يعني وصول الحوثيين إلى العمق الشرقي وإلى الشريط الحدودي. وينتهي المسار إما بتثبّت خط جديد يعزل الجنوب عن الشمال ويُبقي مأرب جزيرة محاصرة، أو بانفراط الجنوب إلى سلطات محلية.

الأثر الأول نقدي وسريع. مع تعرّض عدن لاستهداف متواصل تفقد سلطة النقد قدرتها على الدفاع عن الريال الذي يتداول اليوم قرب 1550–1580 للدولار مقابل 533–540 في صنعاء ، ويصبح تجاوز حاجز 2000 مسألة أسابيع لا أشهر. ويتوقف تمويل الاستيراد عند نقطة الدخول لا في الطريق، فترتفع أسعار المشتقات والغذاء ارتفاعاً حاداً، وتتوقف المرتبات في القطاعين المدني والأمني — وهو ما يغذّي الانهيار نفسه الذي تسبّب فيه.

والأثر الثاني على موقع الحكومة. إغلاق مطارات اليمن مثل عدن وسيئون أمام الحركة المدنية، ومعه يصبح انتقال أجزاء من الحكومة إلى الخارج أمرا مخيفاً. وهنا تقع الكلفة الأخطر: حكومة خارج البلاد تحتفظ باعتراف دولي يفوق نفوذها على الارض، فتتحول من طرف في التفاوض إلى صفة قانونية يستخدمها آخرون. بينما أي ترتيبات سياسية قد يستبعدها بشكل كامل أكثر مما هو موقفها حالياً.

والأثر الثالث على الخريطة السياسية. انهيار المركز يجعل إعادة تشكّل المجلس الانتقالي الجنوبي او ما يوازيه في المناطق الجنوبية عودة جديدة، وقد يعيد فتح الباب أمام عودة الدور الاماراتي. أما حضرموت والمهرة فتشكلان خطاً أحمر سعودياً يتصل بالشريط الحدودي وبمسار التصدير البديل؛ والأرجح أن تُؤمَّنا بترتيب مباشر بدل أن تُترَكا لمعادلة وطنية منهارة — وهو ما يعني عملياً تقسيماً وظيفياً للبلاد لا إعلاناً سياسياً به.

والخطر الثاني نهب السلاح. كل انسحاب غير منظم يفرغ مخازن ومعسكرات، ويدخل السلاح إلى الأسواق المحلية خلال أيام لا أسابيع — ومن هناك إلى ثلاث وجهات: التشكيلات المحلية التي تعيد تسليح نفسها، وشبكات التهريب العابرة للحدود نحو القرن الأفريقي، والسوق الأهلية التي تغذّي النزاعات على الأرض والمياه والثأر. وأثر هذا يمتد سنوات بعد انتهاء أي قتال.

والخطر الثالث انهيار بيئة الحماية في المحافظات التي كانت ملاذاً. فعدن ولحج وأبين وحضرموت تستضيف نازحي كل الجبهات وتوفر الموانئ والمستشفيات والجامعات، والقتال فيها لا عمق له. ويُضاف إلى ذلك اتساع نشاط تنظيم القاعدة في أبين وشبوة وحضرموت انطلاقاً من مستوى مرتفع أصلاً ، وعودة الاغتيالات والعبوات والقضاء الموازي في مناطق تنحسر عنها القوة المتخصصة. أما موجات العنف الأهلي — الثأر، والنزاع على الموارد، وتصفية الحسابات مع من تعاون مع أي طرف — فهي الأثر الذي لا تلتقطه أي إحصاءات، وهو الأطول بقاءً.

 

 

الهاشتاج
رابط الفيس بوك

حميع الحقوق محفوظة ل مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية ---- برمجة وتصميم ALRAJIHI