وجهة نظر اسرائيلية
الحوثيون من حركة محلية إلى تهديد استراتيجي للبحر الأحمر وما وراءه
رؤية إسرائيلية بشأن الحوثيين
من حركة يمنية محلية إلى تهديد استراتيجي للبحر الأحمر وما وراءه
* دينيس سيترينوفتش (Dennis Citrinowicz)
مؤسسة كونراد اديناور
(ترجمة : وحدة الدراسات الاستراتيجية بالمركز )
** تعبر الورقة عن وجهة نظر صاحبها.
الملخص التنفيذي
لم يعد الحوثيون مجرد مشكلة يمنية هامشية، فما بدأ بوصفه حركة إحيائية زيدية في محافظة صعدة شمال اليمن، تطور إلى واحد من أكثر الفاعلين المسلحين تأثيراً في الشرق الأوسط.
يمتلك الحوثيون اليوم صواريخ باليستية وصواريخ جوالة وطائرات مسيّرة وقدرات مضادة للسفن، ويشكلون تهديداً للمملكة العربية السعودية وإسرائيل واستقرار المنطقة بأكملها. كما أنهم قادرون على تعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويعملون على تطوير علاقات مع أطراف مختلفة في منطقة القرن الإفريقي.
إن فهم هذا التحول أمر بالغ الأهمية؛ لأن التحدي الحوثي لن يختفي بمجرد التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في اليمن، أو حتى من خلال اتفاق أوسع بين إيران والولايات المتحدة.
لقد طور الحوثيون أهدافاً سياسية خاصة بهم، ورؤية أيديولوجية للعالم، وقدرات استراتيجية متنامية. صحيح أن إيران لعبت دوراً محورياً في تسريع هذا التحول، لكن وصف الحوثيين ببساطة بأنهم مجرد وكيل إيراني يحجب حقيقة المشكلة بدلاً من تفسيرها.
المقدمة
تحولت حركة الحوثيين من فاعل محلي في اليمن إلى مشكلة ذات أبعاد عالمية. فعلى مدى العقد الماضي، تطورت إلى تنظيم قادر على تهديد البنية التحتية الحيوية، وتنفيذ هجمات بعيدة المدى، وتعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وما بدأ تمرداً محلياً أصبح تحدياً له انعكاسات مباشرة على استقرار الشرق الأوسط والتجارة الدولية والأمن العالمي.
بالنسبة إلى ألمانيا وأوروبا، تكمن أهمية التحدي الحوثي، قبل كل شيء، في قدرة الحوثيين على تهديد البحر الأحمر ومضيق باب المندب. فتعطيل الملاحة في هذه الممرات يؤثر في سلاسل الإمداد الأوروبية وطرق التجارة وأمن الطاقة، في وقت وصلت فيه المخاطر المحيطة بمضيق هرمز والتهديدات الناجمة عن روسيا إلى مستويات غير مسبوقة.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالتهديد أكثر مباشرة. فمنذ أكتوبر 2023، أظهر الحوثيون امتلاكهم القدرة والإرادة لمهاجمة الأراضي الإسرائيلية، بالتزامن مع استخدام الضغط البحري أداة استراتيجية.
وبالنسبة إلى دول الخليج العربي، فإن التهديد أكثر مباشرة أيضاً. فقد واجهت المملكة العربية السعودية بصورة متكررة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت المطارات والبنية التحتية للطاقة والأصول الاقتصادية الحيوية، ما أدى إلى سقوط ضحايا ووقوع إصابات وحدوث اضطرابات اقتصادية كبيرة.
وعلى الرغم من اختلاف المقاربات الأوروبية والإسرائيلية والخليجية للمنطقة، فإن هذه الأطراف تواجه نتائج الظاهرة نفسها: صعود فاعل مسلح يمتلك تسليحاً متطوراً، ويرتبط استراتيجياً بإيران، ويستطيع تقويض الاستقرار الإقليمي وتهديد البنية التحتية الحيوية وحرية الملاحة التي تعتمد عليها التجارة العالمية.
لا يزال المسار المستقبلي للتحدي الحوثي غير محسوم.
فالسيناريو الأكثر إيجابية نسبياً يتمثل في احتواء الحركة عبر مزيج من الشراكات الإقليمية وتعزيز الأمن البحري والردع الفعال، بما يحد من قدرتها على تهديد الملاحة والدول المجاورة.
أما الاحتمال الأكثر ترجيحاً فيتمثل في استمرار تدويل الصراع إقليمياً، من خلال تعميق الحوثيين تعاونهم مع أطراف أخرى مدعومة من إيران، واستمرار ممارسة الضغط على إسرائيل والسعودية وطرق التجارة الدولية.
وقد يقود هذا السيناريو إلى تحسن العلاقات بين إسرائيل والسعودية، بعد سنوات من التوتر بسبب هجوم حماس في السابع من أكتوبر والحرب اللاحقة في غزة.
وفي السيناريو الأكثر خطورة، قد يعزز الحوثيون مواقعهم في محيط البحر الأحمر، ويتحولون من فصيل يمني قوي إلى فاعل إقليمي مهيمن، قادر على ممارسة نفوذ مستمر على أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، بما يترتب على ذلك من تكاليف اقتصادية وسياسية تهدد الرفاه الاقتصادي لألمانيا وأوروبا والاقتصاد العالمي، فضلاً عن تأثيرات غير مباشرة على الحرب في أوكرانيا.
وتجادل هذه الورقة بأن التحدي الحوثي لم يعد ينبغي فهمه باعتباره نزاعاً يمنياً معزولاً، بل أصبح مصدر قلق استراتيجي مشتركاً لإسرائيل وأوروبا ودول الخليج، ويتطلب مقاربة طويلة الأمد تجمع بين التعاون الأمني وحماية الملاحة البحرية والشراكات الإقليمية والجهود المستدامة للحد من التوسع العسكري والسياسي للحركة.
أولاً: البدايات
نشأت الحركة، التي تُعرف رسمياً باسم «أنصار الله» ويشيع تسميتها بالحوثيين، داخل المجتمع الزيدي في شمال اليمن.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، أصبح حسين بدر الدين الحوثي شخصية محورية في الحركة الإحيائية الزيدية المعروفة باسم «الشباب المؤمن».
ركزت الحركة في بدايتها على الإحياء الديني والثقافي، لكنها أخذت تتحول تدريجياً إلى حركة سياسية ومسلحة.
كان حسين الحوثي معادياً بشدة للولايات المتحدة وإسرائيل، واستلهم أفكاره الأيديولوجية من الثورة الإسلامية الإيرانية وحزب الله.
وبين عامي 2004 و2010، خاضت الحركة ست جولات من الحرب ضد حكومة الرئيس علي عبد الله صالح.
قُتل حسين الحوثي عام 2004، وانتقلت القيادة في نهاية المطاف إلى شقيقه الأصغر عبد الملك الحوثي.
لم تكن إيران هي التي أنشأت الحركة. بل إن الأدلة على تقديم طهران مساعدات مادية كبيرة للحوثيين قبل عام 2011 محدودة، وذلك في الوقت الذي كان فيه الحوثيون قد أثبتوا قدرتهم على الصمود والقوة داخل النظام اليمني الآخذ في الانهيار.
لكن طهران بدأت تدرك بصورة متزايدة أن الحوثيين يمكن أن يوفروا لها شريكاً ذا قيمة استثنائية: قوة مسلحة على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، مع إمكانية امتلاك نفوذ بالقرب من مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
ومن المهم التأكيد أيضاً أن الحوثيين وإيران ليسوا متطابقين مذهبياً، على الرغم من انتمائهما إلى فرعين من الإسلام الشيعي.
فإيران تقوم بصورة أساسية على المذهب الشيعي الاثني عشري، الذي يؤمن بسلسلة من اثني عشر إماماً، ويعتقد أن الإمام الثاني عشر دخل في الغيبة وسيعود في نهاية المطاف.
أما الحوثيون، فقد نشأوا من التقليد الشيعي الزيدي في اليمن، المعروف تاريخياً باسم «الخمسة»، بسبب افتراق المسار الزيدي عن بقية التقاليد الشيعية عند الإمام الخامس.
ثانياً: من صعدة إلى صنعاء
جاء التحول الحاسم عام 2014.
فقد استغل الحوثيون ضعف الحكومة اليمنية الانتقالية، والمظالم الشعبية، والتحالفات السياسية المؤقتة، وتقدموا جنوباً حتى تمكنوا من السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر 2014.
ثم واصلوا تقدمهم باتجاه الجنوب نحو عدن، الأمر الذي دفع المملكة العربية السعودية إلى إطلاق تدخلها العسكري في مارس 2015.
وبين عامي 2015 و2019، اعتمد التحالف الذي تقوده السعودية بصورة كبيرة على القوة الجوية، ونفذ ضربات واسعة استهدفت المواقع العسكرية الحوثية ومخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة.
وعلى الأرض، اعتمد التحالف بدرجة كبيرة على القوات اليمنية وشركائه الإقليميين، ولا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة، كما فرض قيوداً بحرية بهدف الحد من تدفق الأسلحة والإمدادات إلى الحوثيين.
وكانت إحدى الأولويات المباشرة للتحالف منع الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح من السيطرة الدائمة على عدن.
وبدعم جوي من التحالف ومشاركة إماراتية كبيرة، نجحت القوات المحلية في إخراج الحوثيين من المدينة في يوليو 2015.
بعد ذلك، سعت السعودية وشركاؤها إلى تأمين عدن، بما في ذلك ميناؤها ومطارها، واستعادة سلطة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
حققت الحملة التي قادتها السعودية أهدافاً مهمة، لكنها ظلت محدودة.
فقد منعت الحوثيين من إحكام سيطرتهم على البلاد بأكملها، وساعدت على استعادة عدن وأجزاء واسعة من جنوب اليمن وشرقه لصالح القوات المناهضة للحوثيين.
لكن الرياض لم تتمكن من استعادة صنعاء أو القضاء على الحركة حتى الآن.
وبدلاً من ذلك، أدت سنوات الحرب إلى ترسيخ سيطرة الحوثيين على المناطق الشمالية الغربية الأكثر اكتظاظاً بالسكان في اليمن، بالتزامن مع نشوء معسكر مناهض للحوثيين يعاني الانقسام والتشظي في الجنوب.
وفي الوقت نفسه، ساعدت إيران على تطوير القدرات العسكرية الحوثية.
ولم تقتصر هذه المساعدة على البنادق أو الدعم المالي، بل حصل الحوثيون على صواريخ باليستية متطورة بصورة متزايدة، وصواريخ جوالة، وطائرات مسيّرة، وأسلحة مضادة للسفن، وقدرات استطلاع ومراقبة.
وبمساعدة فيلق القدس الإيراني، طور الحوثيون قدرات محلية تمكنهم من تصنيع العديد من هذه الأنظمة المعقدة داخل اليمن.
وربما يمثل ذلك أحد أعظم الإنجازات الاستراتيجية لطهران في اليمن؛ إذ ساعدت إيران على تحويل حركة تمرد معزولة جغرافياً إلى قوة قادرة على تهديد المدن السعودية ومنشآت الطاقة وإسرائيل والتجارة الدولية.
ومع ذلك، ينبغي عدم إساءة فهم طبيعة العلاقة بين الطرفين.
فالحوثيون متحالفون استراتيجياً مع إيران، لكنهم ليسوا وكيلاً إيرانياً بالمعنى التقليدي.
تقدم طهران الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتدريب والدعم السياسي، كما كان لمساعدة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله أهمية في تطوير القدرات العسكرية الحوثية.
لكن الحوثيين يمتلكون قيادتهم الخاصة ومصالحهم الداخلية وحساباتهم الاستراتيجية.
ولذلك، فإن العلاقة بين الطرفين يمكن فهمها بصورة أفضل باعتبارها شراكة استراتيجية غير متكافئة، تتداخل فيها المصالح الإيرانية والحوثية في كثير من الأحيان، لكنها ليست متطابقة.
ثالثاً: السابع من أكتوبر والحرب ضد إسرائيل
إن دعم القضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل متجذران بعمق في أيديولوجية الحوثيين.
فشعار الحركة نفسه يتضمن عبارة «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، كما وضعت تعاليم حسين الحوثي المواجهة مع البلدين في مركز الرؤية الفكرية للحركة.
ومع ذلك، قللت إسرائيل من تقدير التهديد القادم من اليمن.
بدأ الحوثيون إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل في 19 أكتوبر 2023، عندما اعترضت المدمرة الأمريكية «يو إس إس كارني» ثلاثة صواريخ جوالة وعدداً من الطائرات المسيّرة التي أُطلقت من اليمن فوق البحر الأحمر.
وعلى الرغم من أن وزارة الدفاع الأمريكية ذكرت في البداية أن إسرائيل كانت مجرد هدف محتمل، فإن الحوثيين أعلنوا رسمياً حملتهم ضد إسرائيل في 31 أكتوبر، عندما تبنوا مسؤولية إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه الأراضي الإسرائيلية.
وفي اليوم نفسه، اعترضت إسرائيل، باستخدام منظومة الدفاع الصاروخي «حيتس» (Arrow)، صاروخاً أرض-أرض كان يقترب من جهة البحر الأحمر.
وبالتوازي مع ذلك، أعلن الحوثيون في 9 ديسمبر 2023 فرض حصار بحري على إسرائيل، مؤكدين أن أي سفينة تتجه إلى ميناء إسرائيلي، بغض النظر عن جنسيتها أو ملكيتها، ستُعد هدفاً مشروعاً.
ومثّل هذا القرار تصعيداً كبيراً مقارنة بحملتهم السابقة ضد السفن المرتبطة بإسرائيل، التي بدأت في نوفمبر، وشملت الاستيلاء على السفينة «غالاكسي ليدر» في 19 نوفمبر.
وعلى الرغم من أن الحوثيين لم يغلقوا مضيق باب المندب فعلياً، فإن هجماتهم وتهديداتهم أدت بصورة متزايدة إلى تعطيل حركة الشحن التجاري عبر البحر الأحمر، وخلقت تداعيات اقتصادية وأمنية كبيرة تجاوزت إسرائيل بكثير.
وكانت النتائج ذات أهمية استراتيجية حتى عندما جرى اعتراض الصواريخ بصورة منفردة.
فقد غيرت شركات الشحن مسارات سفنها لتدور حول قارة إفريقيا، في حين أدى الإغلاق الفعلي لطريق البحر الأحمر أمام حركة التجارة المرتبطة بإسرائيل إلى إلحاق أضرار جسيمة بنشاط ميناء إيلات الإسرائيلي الجنوبي.
رابعاً: جهود إسرائيل لتعزيز قدراتها في مواجهة الحوثيين
كشفت المواجهة الإسرائيلية مع الحوثيين عن وجود فجوة استخباراتية كبيرة.
فلسنوات طويلة، لم يكن اليمن يمثل أولوية كبيرة بالنسبة للاستخبارات الإسرائيلية. وعندما بدأ الحوثيون إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل في أكتوبر 2023، لم تكن إسرائيل تمتلك العمق الاستخباراتي الذي طورته على مدى عقود في مواجهة إيران وحزب الله.
وعلى الرغم من أن سلاح الجو الإسرائيلي أظهر قدرته على ضرب أهداف تبعد أكثر من 1800 كيلومتر، فإن القدرة على الوصول العملياتي إلى الأهداف لا تعني بالضرورة القدرة على إلحاق أضرار دائمة بالقدرات العسكرية للحوثيين.
وردت إسرائيل بشن غارات جوية متزايدة القوة على البنية التحتية الحوثية، بما في ذلك ميناءا الحديدة والصليف، ومنشآت الكهرباء، وأهداف في محيط صنعاء.
وفي أغسطس 2025، أدى هجوم إسرائيلي إلى مقتل رئيس الوزراء المعين من الحوثيين أحمد الرهوي وعدد من المسؤولين الحكوميين.
لكن هذا الإنجاز الاستخباراتي والعملياتي اللافت أظهر، في الوقت نفسه، حدود القوة الجوية؛ إذ كان كثير من القتلى مسؤولين إداريين، وليسوا من القيادات العسكرية والأيديولوجية الأساسية التي تتحكم في الحركة.
لقد صمد الحوثيون، وواصلوا إطلاق الصواريخ، واحتفظوا بقدراتهم الاستراتيجية.
ونتيجة لذلك، بدأت إسرائيل الاستثمار في مقاربة أكثر شمولاً تجاه اليمن، تجمع بين تطوير القدرات الاستخباراتية، وإجراء تغييرات تنظيمية داخل مؤسستها الاستخباراتية العسكرية، والعمل على توسيع حضورها الإقليمي.
1. الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال
كان أحد التطورات المهمة اعتراف إسرائيل الرسمي بأرض الصومال في ديسمبر 2025.
وبعيداً عن الدلالة الدبلوماسية لهذا القرار، فإنه يمنح إسرائيل فرصة لإنشاء موطئ قدم استراتيجي في منطقة القرن الإفريقي، قبالة اليمن عبر خليج عدن.
ومن شأن تعزيز العلاقات مع أرض الصومال أن يحسن فهم إسرائيل للتطورات المحيطة بمضيق باب المندب، ويعزز التعاون في مجال الأمن البحري، وربما يوفر فرصاً إضافية لجمع المعلومات الاستخباراتية.
لكن الاعتراف الدبلوماسي لا يعني تلقائياً الحصول على حق الوصول العسكري أو امتلاك قدرات عملياتية، إذ إن أي وجود أمني إسرائيلي يتطلب اتفاقات إضافية مع أرض الصومال.
وتبدو الفوائد المحتملة كبيرة، خصوصاً في ضوء تنامي قدرة الحوثيين على تهديد حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
وفي الوقت نفسه، ينبغي لإسرائيل أن تأخذ في الحسبان المخاطر السياسية والأمنية المرتبطة بوجود أكثر وضوحاً في منطقة القرن الإفريقي.
فقد هدد الحوثيون بالفعل باستهداف أي وجود عسكري إسرائيلي في أرض الصومال، بينما عارضت الصومال وعدد من الحكومات الإقليمية اعتراف إسرائيل بهذا الإقليم.
2. توسيع البنية الاستخباراتية الإسرائيلية الخاصة باليمن
تمثل التطور الثاني المهم في توسيع البنية التحتية الاستخباراتية الإسرائيلية المخصصة لليمن.
فخلال عام 2025، أنشأ الجيش الإسرائيلي قدرات استخباراتية إضافية تركز بصورة محددة على التهديد الحوثي.
وشملت هذه الخطوات إنشاء مكتب متخصص بشؤون اليمن داخل جهاز الاستخبارات التابع لسلاح الجو الإسرائيلي، إلى جانب وحدات استخباراتية جديدة داخل شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان).
ويعكس إنشاء هذه الوحدات إدراكاً متزايداً بأن اليمن لم يعد بالإمكان التعامل معه باعتباره مسرحاً ثانوياً.
ويتمثل الهدف في تطوير فهم أعمق للتنظيم العسكري الحوثي، وهيكل القيادة، وقدرات إنتاج الأسلحة، وشبكات الإمداد اللوجستي، وآليات اتخاذ القرار.
وستكون هذه المعلومات الاستخباراتية ذات أهمية خاصة في حال تجدد الأعمال العدائية، لأنها ستساعد إسرائيل على تحديد مراكز الثقل العسكرية الرئيسية للحركة، وتنفيذ عمليات أكثر فاعلية ضد القدرات التي تدعم بصورة مباشرة الهجمات على الأراضي الإسرائيلية.
وقد أظهرت تجربة الضربات الإسرائيلية السابقة الإمكانات والقيود المرتبطة باستخدام القوة العسكرية.
فقد استهدفت إسرائيل الموانئ ومنشآت الطاقة والمرافق العسكرية ومسؤولين حوثيين كباراً، لكن الحركة أثبتت مراراً قدرتها على امتصاص الضربات ومواصلة العمل.
ولذلك، لا يكمن التحدي الأساسي في زيادة حجم الضربات الإسرائيلية فحسب، بل في تحسين القاعدة الاستخباراتية التي تعتمد عليها العمليات العسكرية.
ومع ذلك، فإن امتلاك معلومات استخباراتية أفضل قد لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية للحوثيين.
3. البعد السعودي والتعاون الأمني المحتمل
يتعلق العنصر الثالث بالمملكة العربية السعودية.
فقد أوجد تجدد المواجهة بين الرياض والحوثيين ما يشكل فرصة للتعاون الأمني المحدود بين إسرائيل والسعودية، ولا سيما في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية والدفاع الصاروخي والإنذار المبكر.
ويمكن أن توفر الخبرة الإسرائيلية في التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إلى جانب معرفتها المتزايدة بالقدرات الحوثية، مساعدة مهمة للسعودية في مساعيها لحماية السكان والمنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية.
وأشارت تقارير في سبتمبر 2026 إلى نقاشات التعاون الاستخباراتي عبر القيادة المركزية الأمريكية.
ومن الممكن أن يخدم هذا التعاون مصالح البلدين دون الحاجة إلى إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بينهما.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن مساعدة السعودية في مواجهة التهديد الحوثي يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتقليص قدرة حركة مسلحة متحالفة مع إيران على تهديد البحر الأحمر والدول المجاورة.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ افتراض أن التعاون الأمني ضد الحوثيين سيؤدي إلى اختراق في مسار تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية.
فموقف الرياض من التطبيع لا يزال مرتبطاً بصورة وثيقة بالقضية الفلسطينية، وباعتبارات إقليمية وسياسية داخلية أوسع.
وقد تتيح المصالح الأمنية المشتركة فرصاً للتعاون العملي، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الشروط السياسية التي تعتبرها السعودية ضرورية لإقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل.
وفي نهاية المطاف، يتمثل التحدي الإسرائيلي في تجاوز استراتيجية تعتمد أساساً على الضربات الجوية الانتقامية، والانتقال إلى جهد مستمر لفهم الحوثيين، وتعزيز الشراكات الإقليمية، وتحسين القدرة على مواجهة إمكاناتهم العسكرية.
ويعكس الاعتراف بأرض الصومال، وتوسيع الموارد الاستخباراتية المخصصة لليمن، والتعاون الاستخباراتي المحتمل مع السعودية، هذا التحول في المقاربة.
لكن أياً من هذه الإجراءات، منفردة أو مجتمعة، لا يضمن تحقيق نتيجة حاسمة.
وينبغي أن يكون الهدف الإسرائيلي تقليص التهديد الذي يمثله الحوثيون، مع تجنب الافتراض بأن التفوق العسكري وحده قادر على حل الصراع.
خامساً: الحرب ضد إيران والاستجابة الحوثية
قدمت الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026 دليلاً أكثر وضوحاً على الطبيعة غير المعتادة للعلاقة بين إيران والحوثيين.
فعلى الرغم من شراكتهم الاستراتيجية الوثيقة مع طهران، بقي الحوثيون في البداية خارج الحرب.
ولمدة شهر تقريباً، تجنبوا التدخل واسع النطاق، بسبب استراتيجية محسوبة للحفاظ على الذات، وما تعرضوا له من تراجع عسكري شديد، فضلاً عن اعتبارات التنسيق التكتيكي، قبل أن يدخلوا الحرب في نهاية المطاف بعد شهر، في مارس.
وفي 28 مارس، شنوا هجوماً مؤكداً على إسرائيل، لكنهم لم يستأنفوا فوراً حملة شاملة ضد حركة الملاحة في البحر الأحمر.
كما كشفت هذه الحرب عن العلاقات الوثيقة بين الحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق.
فقد تحولت العلاقة من مجرد توافق أيديولوجي فضفاض إلى تحالف عملياتي متكامل بصورة وثيقة، يشكل أحد الأعمدة الأساسية لما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة إيران.
وبتوجيه وتمويل من الحرس الثوري الإيراني، أنشأ الطرفان مركز قيادة للعمليات المشتركة، بهدف تنسيق الأوامر التكتيكية ومستويات الاستعداد والإنذار بصورة آنية.
ويتجلى هذا التعاون ميدانياً من خلال تنفيذ رشقات منسقة من الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة التي تستهدف مواقع استراتيجية في إسرائيل، في محاولة لإرباك شبكات الدفاع الجوي الإقليمية وإغراقها بالهجمات القادمة من جبهات متعددة في وقت واحد.
وإلى جانب العمليات الهجومية، يتيح المحور العراقي اليمني تبادل الخبرات التكنولوجية المتقدمة، وأساليب التهريب، وشبكات الشراء السرية لمكونات الأسلحة الدقيقة.
وفي نهاية المطاف، يهدف هذا التكامل إلى تفعيل استراتيجية طهران المعروفة باسم «دائرة النار»، من خلال توظيف النفوذ البحري للحوثيين في البحر الأحمر، والقرب الجغرافي للميليشيات العراقية، لممارسة ضغط مستمر على السعودية والأردن وإسرائيل.
سادساً: الطريق نحو حرب سعودية حوثية جديدة
إن انتهاء المرحلة الأخيرة من الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران لم يؤدِّ إلى حل الصراع في اليمن، بل أوجد فرصة جديدة أمام الحوثيين.
فقد سعت الحركة إلى تحويل موقعها الاستراتيجي المحسّن إلى تخفيف القيود المفروضة على المناطق الخاضعة لسيطرتها في اليمن، والحصول على اعتراف سياسي أكبر.
كما أسهم تجدد الخلافات بشأن الوصول إلى مطار صنعاء الدولي والقيود البحرية والجوية في تصاعد المواجهة.
وفي يوليو، استهدفت القوات الحكومية اليمنية مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، وهو ما يوضح أن السيطرة على منافذ الوصول الجوي أصبحت بحد ذاتها جزءاً من المواجهة.
وبعد ذلك، تبنى الحوثيون بصورة متزايدة منطقاً واضحاً يقوم على قاعدة «الحصار مقابل الحصار».
فإذا ظلت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن مقيدة، فإن قدرة السعودية على تصدير الطاقة واستخدام البحر الأحمر ستكون هي الأخرى مهددة.
وهذا يغير بصورة جوهرية المعضلة الاستراتيجية التي تواجهها السعودية.
فعلى مدى سنوات، كانت الرياض تأمل أن تؤدي سياسة خفض التصعيد والحوافز الاقتصادية والمفاوضات إلى احتواء التهديد الحوثي.
وفي الوقت نفسه، أضعفت الخلافات بين السعودية والإمارات، والانقسامات بين شركائهما اليمنيين، الجبهة المناهضة للحوثيين.
لكن الهجوم الحوثي في اليمن أجبر السعودية والإمارات العربية المتحدة على تنحية خلاف دبلوماسي حاد جانباً، وإبرام اتفاق طارئ في الرياض.
ولوقف التقدم الحوثي وتأمين مضيق باب المندب، وضعت الدولتان الميليشيات المحلية التابعة لهما تحت هيكل قيادة موحد، في إطار العملية الجديدة التي أُطلق عليها اسم «فجر اليمن».
وفي حين تستفيد الإمارات وإسرائيل من اتفاقيات أبراهام لتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الدفاعي ضد الوكلاء الإيرانيين، ترفض السعودية إقامة علاقات تطبيع رسمية مع إسرائيل.
وبدلاً من ذلك، قد تحافظ الرياض على تعاون تكتيكي محدود وسري مع إسرائيل والإمارات، مع تفضيلها بناء ترتيبات دفاعية منفصلة مع شركاء مثل باكستان وتركيا.
استغل الحوثيون هذه الانقسامات.
وقد أسفر هجومهم في سبتمبر 2026 عن أحد أهم التحولات في الحرب اليمنية خلال سنوات.
فقد تمكنت القوات الحوثية من السيطرة على المخا ومناطق مجاورة وجزر، وتقدمت نحو مواقع تشرف على مضيق باب المندب.
ويعتمد الدعم الإيراني للحوثيين في حملتهم العسكرية الحالية ضد السعودية على تكامل عملياتي عميق، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، واستمرار خطوط تهريب الأسلحة.
وتشير التقارير إلى أن مستشارين من الحرس الثوري الإيراني قدموا معلومات استخباراتية وتدريباً وأشكالاً أخرى من المساعدة المباشرة خلال الهجوم.
وتواجه السعودية الآن خياراً بالغ الصعوبة.
فإما أن تواصل حملة عسكرية مكلفة ضد خصم أثبت قدرة هائلة على امتصاص الضربات، أو أن تدخل في مفاوضات من موقع يستطيع فيه الحوثيون المطالبة بتنازلات كبيرة، بما في ذلك رفع القيود المفروضة على المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
ويتمثل المطلب الاستراتيجي الأساسي للحوثيين في الإزالة الدائمة وغير المشروطة لجميع أشكال الحصار البحري والجوي.
ولن يقبلوا بتنازلات اقتصادية جزئية أو توقفات مؤقتة.
فبالنسبة إلى صنعاء، يمثل الإنهاء الدائم للقيود الاقتصادية الحد الأدنى لأي حوار، بما يؤدي عملياً إلى إضفاء طابع مؤسسي على سيطرتهم على شمال اليمن.
سابعاً: التطورات الأخيرة
أطلق الحوثيون موجة من الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة والطائرات المسيّرة باتجاه عمق الأراضي السعودية.
واستهدفت الضربات منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو السعودية، ما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة في الرياض وخريص ورابغ.
كما استهدفت هجمات إضافية مطارات مدنية وعسكرية، من بينها مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومطار أبها، وقواعد في خميس مشيط ونجران، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة العشرات.
وعقب هذه الضربات، أُقيمت حواجز وقائية جديدة حول خزانات الوقود التابعة لأرامكو بالقرب من مطار الرياض.
وعلى الأرض، حققت القوات الحوثية تقدماً بطيئاً لكنه مستمر في جنوب غرب اليمن.
فانطلاقاً من محافظة تعز، تقدمت القوات البرية الحوثية باتجاه عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية.
ولقطع خطوط الإمداد الحكومية، استهدفت القوات الحوثية الطرق الاستراتيجية التي تربط تعز بعدن.
كما أطلقت صواريخ مباشرة باتجاه مطار عدن الدولي، قبل وقت قصير من موعد هبوط رحلة مدنية مجدولة.
ورد التحالف بقيادة السعودية بحملة جوية مكثفة، نفذ خلالها أكثر من 100 غارة جوية خلال 24 ساعة.
واستهدفت الغارات معاقل الحوثيين في صنعاء وتعز وصعدة والجوف وعمران، مع التركيز على منصات إطلاق الصواريخ المتحركة.
وأعلن رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، إطلاق عملية «فجر اليمن» لمواجهة التقدم الحوثي.
وبدعم من أكثر من 100 طائرة حربية تابعة للتحالف، تهدف العملية المضادة إلى استعادة مضيق باب المندب، وتطهير الساحل الغربي للبحر الأحمر، والتقدم باتجاه صنعاء.
ومن خلال دعم هذه الحملة، تواجه السعودية مخاطر متعددة:
1. الهشاشة الاقتصادية:
إن الضربات الحوثية على منشآت أرامكو الواقعة داخل الأراضي السعودية تؤدي إلى تعطيل العمليات، وتؤثر في أسواق النفط العالمية.
2. اضطراب طرق التجارة:
في ظل القيود المفروضة على مضيق هرمز، تعتمد السعودية بصورة كبيرة على موانئها المطلة على البحر الأحمر.
وتشكل العمليات الحوثية بالقرب من مضيق باب المندب تهديداً لطرق الشحن البديلة هذه.
3. نهاية الهدنة:
يؤدي هذا التصعيد إلى إنهاء مفاوضات وقف إطلاق النار الهشة، ويعيد السعودية إلى مواجهة مباشرة في حرب استنزاف.
ثامناً: البعد الأوروبي
لهذا السبب تكتسب القرارات البريطانية والفرنسية الأخيرة أهمية كبيرة.
فقد أعلنت المملكة المتحدة تقديم مساعدات عسكرية إضافية للسعودية، تشمل طائرة من طراز «إيرباص فوييجر» تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، لتوفير التزود بالوقود جواً دعماً للعمليات الدفاعية السعودية.
وكان أفراد عسكريون بريطانيون وقدرات دفاع جوي يساعدون بالفعل في الدفاع عن الأراضي السعودية ضد هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
أما فرنسا، فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك في مجال حماية البنية التحتية الحيوية.
إذ أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون نشر قوات ورادارات وأنظمة دفاع جوي للمساعدة في حماية ينبع، المحطة النفطية الاستراتيجية المهمة على البحر الأحمر في السعودية.
وينبغي أن يشكل ذلك أساساً لدور أوروبي أوسع.
فحماية ينبع لا تعني الدفاع عن السعودية فحسب؛ بل إن أمن صادرات الطاقة السعودية، ومضيق باب المندب، والبحر الأحمر، يؤثر بصورة مباشرة في أمن الطاقة الأوروبي، وطريق قناة السويس، والتجارة العالمية.
ولذلك، تمتلك أوروبا مصلحة استراتيجية مباشرة في منع الحوثيين من امتلاك القدرة على تحديد الأوقات التي تستطيع فيها السفن العبور بأمان عبر جنوب البحر الأحمر.
إن خطر سيناريو «الاختناق المزدوج للممرات البحرية»، بحيث يكون مضيق هرمز مقيداً بشدة بسبب الحرب الأوسع مع إيران، بينما يخضع مضيق باب المندب للحصار، يشكل تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الأوروبي والتجارة العالمية.
لم يتم تفكيك عملية «أسبيدس» الأوروبية بصورة كاملة؛ إذ مدد المجلس الأوروبي رسمياً ولايتها حتى 28 فبراير 2027.
لكن التصعيد الذي أعقب الهجوم البري الحوثي والسيطرة على نقاط الاختناق الاستراتيجية، مثل ميناء المخا وجزيرة بريم (ميون)، أوجد بيئة جديدة ذات مستوى أعلى من التهديد، لا تتوافر للمهمة في ظل وضعها الحالي الموارد الكافية أو التجهيزات الهيكلية اللازمة للتعامل معها.
التهديد الحوثي خارج حدود اليمن
يتوسع التحدي الحوثي أيضاً خارج اليمن. والمثال الأوضح على ذلك هو الصومال.
فبحسب تقارير، طور الحوثيون والمنظمة الإرهابية المعروفة باسم حركة الشباب الصومالية علاقات تشمل نقل الأسلحة وتقديم الخبرات التقنية من الحوثيين إلى حركة الشباب.
وأفاد تحقيق لاحق للأمم المتحدة بتنامي التعاون بين الطرفين، بما في ذلك تدريب عناصر من حركة الشباب على استخدام العبوات الناسفة المرتجلة، وتقنيات الطائرات المسيّرة، وصيانة الأسلحة.
وينبغي التعامل مع هذا التطور بجدية.
فإن امتداد النفوذ الحوثي إلى الجانب الإفريقي من خليج عدن يمكن أن ينشئ بيئة استراتيجية مترابطة تصل اليمن بشبكات التهريب والتنظيمات المسلحة في أنحاء القرن الإفريقي.
أما التقارير المتعلقة بوجود اتصالات وشبكات حوثية في مناطق أخرى من القرن الإفريقي، بما في ذلك محيط إريتريا وإثيوبيا، فلا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقق.
ولذلك، يجب أن تتضمن الاستجابة تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني مع حكومات القرن الإفريقي، وتطوير المراقبة البحرية، وتنفيذ عمليات مكافحة التهريب، وتقديم المساعدة للدول المعرضة للاختراق الحوثي.
تاسعاً: لا حلول سريعة – التوصيات
تتمثل أهم خلاصة في أنه لا يوجد حل سريع للمشكلة الحوثية.
قد يكون وقف إطلاق النار أمراً مرغوباً فيه وضرورياً، لكن أي اتفاق يترك للحوثيين ترسانتهم العسكرية المتنامية وسيطرتهم على الأراضي الاستراتيجية، يخاطر بتأجيل المشكلة بدلاً من حلها.
لقد أثبتت الحركة مراراً قدرتها على تحويل فترات تراجع الصراع إلى فرص لإعادة البناء والحصول على التكنولوجيا وتعزيز موقعها السياسي.
ولذلك، فإن الاستراتيجية المستدامة تتطلب العمل على عدة مسارات متزامنة:
1. تقديم مساعدة دفاعية دولية مستمرة للسعودية
تحتاج المملكة العربية السعودية إلى مساعدة دفاعية دولية مستدامة، ولا سيما في مواجهة الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة والطائرات المسيّرة.
وينبغي النظر إلى عمليات الانتشار البريطانية والفرنسية باعتبارها بداية التزام أوروبي أوسع، وليس مجرد إجراءات طارئة ومؤقتة.
2. تشكيل تحالف بحري دولي
يجب إنشاء تحالف بحري دولي يضمن حرية الملاحة عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
فلا ينبغي أن يعتمد الأمن البحري على الحسابات الحوثية بشأن الدول أو السفن التي يعتبرونها أهدافاً مشروعة.
3. تعزيز جهود اعتراض الأسلحة الإيرانية ومكونات الاستخدام المزدوج
ينبغي تعزيز جهود اعتراض الأسلحة الإيرانية ومكونات الاستخدام المزدوج التي يمكن توظيفها في المجالات المدنية والعسكرية.
كما تتطلب طرق التهريب عبر بحر العرب وخليج عدن والشبكات المرتبطة بعُمان مستوى أعلى بكثير من المراقبة والاهتمام الدبلوماسي.
ولا ينبغي أن يكون الهدف قطع كل أشكال العلاقة بين إيران والحوثيين، لأن ذلك هدف غير واقعي، بل جعل عملية التطوير المستمر للقدرات الاستراتيجية الحوثية أكثر صعوبة بصورة ملموسة.
4. إدماج البعد الإفريقي في استراتيجية البحر الأحمر
يجب أن يصبح البعد الإفريقي جزءاً أساسياً من استراتيجية البحر الأحمر.
وينبغي أن يركز التعاون مع الصومال ودول القرن الإفريقي الأخرى على منع نقل الأسلحة، وشبكات التدريب، وتطور بيئة عملياتية مشتركة بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية.
إن العلاقة الناشئة بين الحوثيين وحركة الشباب تؤكد أن التهديد لم يعد بالإمكان فهمه من خلال الجغرافيا اليمنية وحدها.
5. عدم التعويل على الاتفاق الدبلوماسي مع إيران لحل المشكلة الحوثية
إن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران لن يؤدي تلقائياً إلى حل التحدي الحوثي.
فطهران تمتلك نفوذاً هائلاً، لكن الحوثيين أصبحوا فاعلاً إقليمياً مستقلاً يمتلك أيديولوجيته ومصالحه وطموحاته الخاصة.
6. بناء قوة فاعلة مناهضة للحوثيين في جنوب اليمن
ينبغي أن تكون الأولوية بناء قوة مناهضة للحوثيين في جنوب اليمن، قادرة على تغيير ميزان القوى بمرور الوقت.
ولذلك، يجب أن يركز الدعم السعودي على تحويل الشركاء المحليين إلى قوة عسكرية وسياسية مضادة ذات مصداقية، يمكنها في نهاية المطاف دعم حملة أوسع إذا فشلت جهود الردع والدبلوماسية.
7. العمل مع الحكومة العراقية لتقليص العلاقات بين الحوثيين والميليشيات العراقية
تتمثل أولوية موازية في استمرار التواصل مع الحكومة العراقية لإضعاف العلاقة المتنامية الأهمية بين الحوثيين في اليمن والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق، ولا سيما كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء.
لقد تجاوزت هذه العلاقة حدود التضامن الأيديولوجي؛ إذ أعلن الحوثيون والفصائل العراقية علناً تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة، بينما وثقت تقارير وجود عناصر حوثية تعمل إلى جانب عناصر من الميليشيات العراقية.
الخاتمة
لم يعد السؤال المطروح هو كيفية القضاء على المشكلة الحوثية؛ فهذا الهدف غير واقعي في الظروف الراهنة.
إن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء منظومة إقليمية ودولية طويلة الأمد، قادرة على احتواء التوسع الحوثي، وحماية السعودية والقرن الإفريقي، وتقييد المساعدات العسكرية الإيرانية، وضمان ألا تتمكن أي حركة مسلحة من استخدام حرية الملاحة عبر مضيق باب المندب رهينة لأهدافها السياسية والأيديولوجية.
إن التحدي الحوثي لن يختفي.
ويجب أن تنطلق الاستراتيجية أخيراً من هذه الفرضية.
فهذه هي الحقيقة الاستراتيجية التي تواجه السعودية وإسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة في الوقت الراهن.
لقد صمد الحوثيون أمام سنوات من الحرب التي قادتها السعودية، والضربات الأمريكية والإسرائيلية، والظروف الاقتصادية الصعبة والعزلة السياسية.
وخرجوا من هذه المواجهات بقدرات عسكرية أكبر، وطموحات إقليمية أوسع، وموقع متزايد الأهمية يشرف على أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
_________
نبذة عن المؤلف
دينيس سيترينوفتش باحث أول في برنامج إيران والمحور الشيعي بمعهد دراسات الأمن القومي (INSS).
خدم لمدة 25 عاماً في مواقع قيادية مختلفة ضمن وحدات متعددة في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، بما في ذلك رئاسة الفرع الإيراني في قسم البحوث والتحليل، والعمل ممثلاً للقسم في الولايات المتحدة.
-------
بيانات النشر والمصدر:
- العنوان الأصلي: An Israeli Perspective on the Houthis: From Local Yemeni Movement to Strategic Threat to the Red Sea and Beyond.
- المؤلف: Dennis Citrinowicz.
- الجهة الناشرة: مؤسسة كونراد أديناور – مكتب إسرائيل.
- عدد الصفحات: 16 صفحة.
- الترخيص: Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0).
رابط المقالة الأصلية:
https://www.kas.de/documents/263458/263507/An+Israeli+Perspective+on+the+Houthis.pdf/94fd5385-4236-07e2-23ec-2fcd3f0f4fa1?version=1.0&t=1792678823426